حروفا تخالف ما في مصحف عثمان المجمع عليه ، والذي اتفق أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على قراءته ، ثم بان لي أن ذلك خطأ ، وأنا منه تائب ، وعنه مقلع ، وإلى اللّه ، جلّ اسمه ، منه بريء ، إذ كان مصحف عثمان هو الحق الذي لا يجوز خلافه ، ولا أن يقرأ بغير ما فيه » « 1 » .
ولم يكن خط المصحف القديم سببا لنشأة القراءات أو وجودها ، كما حاول بعض المستشرقين ومن قلدهم أن يصوروا ذلك « 2 » ، لأن تعلم القرآن وقراءته كان يستند إلى التلقي الشفهي في عصر النبوة وما بعده ، فكان « الاعتماد في نقل القرآن على حفظ المصاحف والكتب » « 3 » . وكان تعدد وجوه القراءة معروفا في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم قبل وجود المصاحف ، فكانت قراءة الصحابة متعددة بفضل رخصة الأحرف السبعة ، وإلى جانب ذلك كله فإن من القراءات ما كان مخالفا لخط المصحف ، ولو كان الخط سببا لوجود القراءات لانحصرت القراءات فيما يحتمله الخط .
فلم يكن خط المصحف إذن سببا في وجود القراءات القرآنية أو اختلافها ، ولكن الخط كان سببا في حفظ الاختلاف الموجود أصلا ، لأن القراءة سنة متبعة « 4 » .
وكان الخط حين عدّت موافقته شرطا في قبول القراءة مقياسا يمنع ما لا يدخل في نطاقه مما صح من الروايات ، فالرسم لا ينشئ القراءة ولكنه يحكم عليها « 5 » .
ولو كان خط المصاحف هو السبب في نشأة القراءات كما يزعم هؤلاء لوجب قبول كل قراءة احتملها خط المصحف ، فما دامت القراءات هي اجتهاد القراء - بزعمهم - في قراءة المرسوم فإنه لا فضل للواحدة منها على الأخرى ،
هامش
( 1 ) الفهرست ص 35 .
( 2 ) مثل جولد تسيهر : مذاهب التفسير الإسلامي ص 8 - 9 ، وبروكلمان : تاريخ الأدب العربي 1 / 40 ، وعبد اللّه خورشيد : القرآن وعلومه في مصر 9 .
( 3 ) ابن الجزري : النشر 1 / 6 .
( 4 ) عبده الراجحي : اللهجات العربية في القراءات القرآنية ص 71 .
( 5 ) عبد الصبور شاهين : القراءات القرآنية ص 210 .