انتحل هذه الأعذار من المنافقين وأذن لهم ، فنزل القرآن الكريم معاتبا له لخطأ رأيه
( عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ ؟
43 - التوبة ) ولو كان هذا العقاب صادرا عن وجدانه تعبيرا عن ندمه حين تبين له فساد رأيه لما أعلنه عن نفسه بهذا التعنيف الشديد والعتاب القاسي .
ونظير هذا معاتبته صلى اللّه عليه وسلم في قبول الفداء من أسرى بدر
( ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ، لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
67 ، 68 - الأنفال ) ومعاتبته في توليه عن عبد اللّه بن أم مكتوم الأعمى رضي اللّه عنه اهتماما بنفر من أكابر قريش في دعوتهم إلى الإسلام
( عَبَسَ وَتَوَلَّى ، أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ، وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ، وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ، وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ، وَهُوَ يَخْشى ، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ، كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ
1 - 11 - عبس ) .
والمعهود في سيرته صلى اللّه عليه وسلم أنه كان منذ نعومة أظفاره مثلا فريدا في حسن الخلق ، وكريم السجايا . . وصدق اللهجة ، وإخلاص القول والعمل ، وقد شهد له بهذا قومه عندما دعاهم في مطلع الدعوة وقال لهم : « أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بظهر هذا الوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ؟ قالوا نعم ، ما جربنا عليك كذبا » وكانت سيرته العطرة مهوى أفئدة الناس إليه للدخول في الإسلام ، عن عبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه قال : « لما قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة ، انجفل الناس إليه ، وقيل : قدم رسول اللّه ، قدم رسول اللّه ، فجئت في الناس لأنظر إليه فلما استثبت وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب » . « 1 »
وصاحب هذه الصفات العظيمة التي يتوجها الصدق ما ينبغي لأحد أن
هامش
( 1 ) رواه الترمذي بسند صحيح .