ففي قصة نوح
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ
14 - العنكبوت ) وهذا موافق لما جاء في سفر التكوين من التوراة . وفي قصة أصحاب الكهف
( وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً
25 - الكهف ) وهي عند أهل الكتاب ثلاثمائة سنة شمسية ، والسنون التسع هي فرق ما بين عدد السنين الشمسية والقمرية .
فمن أين أتى محمد صلى اللّه عليه وسلم بهذه الدقائق الصحيحة لو لم يكن يوحى إليه وهو الرجل الأمي الذي عاش في أمة أمية لا تكتب ولا تحسب ؟
وقد كان أهل الجاهلية الأولى أذكى من ملاحدة الجاهلية المعاصرة ، فإن أولئك لم يقولوا إن محمدا استقى هذه الأخبار من وحي نفسه كما يقول هؤلاء ، بل قالوا إنه درسها وأمليت عليه
( وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
5 - الفرقان ) ولم يتلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم درسا على معلم قط - كما سيأتي - فمن أين جاءته هذه الأنباء فجأة بعد أن بلغ سن الأربعين ؟
( إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
4 - النجم ) .
هذا في الجانب الأخباري .
أما في سائر العلوم التي تضمنها القرآن فإن قسم العقائد يتناول كذلك أمورا تفصيلية عن بدء الخلق ونهايته . والحياة الآخرة وما فيها من الجنة ونعيمها ، والنار وعذابها ، وما يتبع ذلك من الملائكة وأوصافهم ووظائفهم - وهذه معلومات لا مجال فيها لذكاء العقل وقوة الفراسة البتة
( وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً
31 - المدثر )
( وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
37 - يونس ) .
ناهيك بما تضمنه القرآن من أحكام قاطعة عن أخبار المستقبل التي تجري على سنن اللّه الاجتماعية ، في القوة والضعف ، والصعود والهبوط ، والعزة والذلة ،