الحالة الأولى : - وهي أشد على الرسول - أن يأتيه مثل صلصلة الجرس والصوت القوي يثير عوامل الانتباه فتهيأ النفس بكل قواها لقبول أثره ، فإذا نزل الوحي بهذه الصورة على الرسول صلى اللّه عليه وسلم نزل عليه وهو مستجمع القوى الإدراكية لتلقيه وحفظه وفهمه ، وقد يكون هذا الصوت حفيف أجنحة الملائكة المشار إليه في الحديث « إذا قضى اللّه لأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كالسلسلة على صفوان » « 1 » وقد يكون صوت الملك نفسه في أول سماع الرسول له .
والحالة الثانية : - أن يتمثل له الملك رجلا ويأتيه في صورة بشر ، وهذه الحالة أخف من سابقتها ، حيث يكون التناسب بين المتكلم والسامع ، ويأنس رسول النبوة عند سماعه من رسول الوحي ، ويطمئن إليه اطمئنان الإنسان لأخيه الإنسان .
والهيئة التي يظهر فيها جبريل بصورة رجل لا يتحتم فيها أن يتجرد من روحانيته ، ولا يعني أن ذاته انقلبت رجلا . بل المراد أنه يظهر بتلك الصورة البشرية أنسا للرسول البشري ، ولا شك أن الحالة الأولى - حالة الصلصلة - لا يوجد فيها هذا الإيناس ، وهي تحتاج إلى سمو روحي من رسول اللّه يتناسب مع روحانية الملك فكانت أشد الحالتين عليه ، لأنها كما قال ابن خلدون « انسلاخ من البشرية الجسمانية واتصال بالملكية الروحانية ، والحالة الأخرى عكسها لأنها انتقال الملك من الروحانية المحضة إلى البشرية الجسمانية » .
وكلتا الحالتين مذكور فيما روي عن عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها أن الحارث بن هشام رضي اللّه عنه سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال :
يا رسول اللّه ، كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
« أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس ، وهو أشده علي ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال . وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول » ؟ وروت
هامش
( 1 ) رواه البخاري .
( 2 ) رواه البخاري .