القطعي إلى الأجيال اللاحقة ، ولمست الإنسانية أثره في حضارة أمته ، وقوة أتباعه ، وعزتهم ما استمسكوا به ، وانهيار كيانهم وخذلانهم ما فرطوا في جنبه ، مما لا يدع مجالا للشك في إمكان الوحي وثبوته ، وضرورة العودة إلى الاهتداء به إطفاء للظمإ النفسي بمثله العليا ، وقيمه الروحية .
ولم يكن رسولنا صلى اللّه عليه وسلم أول رسول أوحي إليه ، بل أوحى اللّه تعالى إلى الرسل قبله بمثل ما أوحى إليه
( إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ، وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
163 ، 164 - النساء ) .
فليس هناك في نزول الوحي على محمد صلى اللّه عليه وسلم ما يدعو إلى العجب ، ولذا أنكر اللّه على العقلاء هذا في قوله
( أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ؟ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ
2 - يونس ) .
معنى الوحي
يقال : وحيت إليه وأوحيت : إذا كلمته بما تخفيه عن غيره ، والوحي :
الإشارة السريعة ، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض ، وقد يكون بصوت مجرد ، وبإشارة ببعض الجوارح .
والوحي مصدر ، ومادة الكلمة تدل على معنيين أصليين ، هما : الخفاء والسرعة ، ولذا قيل في معناه : الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه إليه بحيث يخفى على غيره ، وهذا معنى المصدر ، ويطلق ويراد به الموحي ، أي بمعنى اسم المفعول . والوحي بمعناه اللغوي يتناول :
1 - الإلهام الفطري للإنسان ، كالوحي إلى أم موسى
( وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ
7 - القصص ) .