وبهذا يتضح أنه لا منافاة بين المذهبين في النهاية ، وإنما الأمر يرجع إلى الاختلاف في معنى التأويل .
ففي القرآن ألفاظ متشابهة تشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا ، ولكن الحقيقة ليست كالحقيقة ، فأسماه اللّه وصفاته وإن كان بينها وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه في اللفظ والمعنى الكلي إلا أن حقيقة الخالق وصفاته ليست كحقيقة المخلوق وصفاته ، والعلماء المحققون يفهمون معانيها ويميزون الفرق بينها ، وأما نفس الحقيقة فهي من التأويل الذي لا يعلمه الا اللّه . ولهذا لما سئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى
( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى )
قالوا : « الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والايمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة » وكذلك قال ربيعة بن عبد الرحمن شيخ مالك قبله : « الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، ومن اللّه البيان ، وعلى الرسول البلاغ ، وعلينا الإيمان » فبين أن الاستواء معلوم ، وأن كيفية ذلك مجهولة .
وكذلك الشأن بالنسبة إلى أخبار اللّه عن اليوم الآخر ، ففيها ألفاظ تشبه معانيها ما هو معروف لدينا إلا أن الحقيقة غير الحقيقة . ففي الآخرة ميزان ، وجنة نار . وفي الجنة
( أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى
15 - محمد ) .
( فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ، وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ ، وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ ، وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ
13 : 16 - الغاشية ) . . وذلك نعلمه ونؤمن به ، وندرك أن الغائب أعظم من الشاهد ، وما في الآخرة يمتاز عما في الدنيا ، ولكن حقيقة هذا الامتياز غير معلومة لنا ، وهي من التأويل الذي لا يعلمه إلا اللّه .
التأويل المذموم
والتأويل المذموم بمعنى : صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به ، إنما لجأ اليه كثير من المتأخرين مبالغة منهم في تنزيه اللّه تعالى عن مماثلته للمخلوقين كما يزعمون . وهذا زعم باطل أوقعهم في مثل ما