لمجريات الأحداث ، ليكون الموقف المناسب تجاه الحدث الطارئ ، هذا ما يبدو في الظاهر ، أما في علم الغيب فلا صدفة ولا مفاجأة ، بل الأمور تجري حسب تقدير العزيز العليم بها .
ويمر الركب على مساكين يعملون في البحر ، على سفينة لهم ، ينقلون الناس من ساحل البحر إلى آخر ، لقاء أجر معلوم ، فيعرفون الرجل الصالح فيحملونه وصاحبه من غير أجر تكريما وتقديرا ،
فلا يلبث الخضر أن ينزوي إلى طرف من السفينة ليقلع لوحا من خشبها ، ويوتد مكان الخرق وتدا ليحد من تسرب الماء إليها ، ولا يملك موسى نفسه من الغضب والانفعال تجاه هذا التصرف ، كيف يقابل إحسان القوم بمثل هذا التصرف ؟ ! ثم بأي وجه حق يعتدي على مالهم بالإتلاف ؟ ! وكونهم مساكين تستدر حالهم العطف وتثير الشفقة عليهم .
ومن شأن هذا الخرق أن يغرق ركّاب السفينة الأبرياء ، فما وجه المشروعية في كل ذلك ؟ ! ( قال : أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا ) إنّ هذا العمل بالمقاييس الظاهرة - وما يحتمل أن يترتب عليه من المهالك أمر عظيم ولا شك .
ولكن الرجل الصالح ينظر إلى المسألة من زاوية أخرى ، بناء على الحكمة العليا والمصلحة الآجلة ، وتطبيقا للقاعدة الشرعية المتفق عليها بين العلماء الربانيّين ( يتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأقوى ) فيذكّر موسى عليه السلام
أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
. وتهدأ نفس موسى عليه السلام ويذكر العهد الذي قطعه على نفسه بعدم الاعتراض والاستفسار ، حتى يكون الخضر هو البادئ بالتوضيح والبيان ، وتطمئن نفسه إلى أن صاحبه ليس كسائر الأصحاب ، وإنّما هو رجل ربّاني على جانب من العلم لا يعلمه موسى .
هامش
أنه لم يكن مع موسى والرجل الصالح أثناء الرحلة ، وأغلب الظن أن موسى أمره بالعودة إلى موطنه ، لأن مدة الرحلة لم تكن معلومة لديه ، ولعلّ عدم ذكر موسى له عند اللقاء بالرجل الصالح أمارة على أن الأمر كله من الأسرار الربانية بين موسى وربه عزّ وجلّ . . .