ثالثا : في الأخلاق :
لقد أولى القرآن الكريم الأخلاق أهمية كبيرة ، وحث على التمسك بفضائلها بمختلف الأساليب ، وحذر من ارتكاب مرذولها بشتى الطرق ، ونظرة القرآن إلى الأخلاق منبثقة أيضا من نظرته إلى الكون والحياة والإنسان . وإذا كانت العقائد تشكل أركان الصرح الإسلامي فإن التشريعات تكون تقسيمات حجراته وممراته ومداخله ، والأخلاق تضفي البهاء والرونق والجمال على الصرح المكتمل ، وتصبغه الصبغة الربانية المتميزة .
وإذا كانت العقيدة الإسلامية تشكل جذور الدوحة الإسلامية وجذعها فإن الشريعة تمثل أغصانها وتشعباتها ، والأخلاق تكون ثمارها اليانعة وظلالها الوارفة ومنظرها البهيج النضر :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ( 24 ) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
( 25 ) [ إبراهيم : 24 - 25 ] .
لقد عرضت آيات القرآن الكريم الدعوة إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة من خلال الالتزام بالعقيدة الإسلامية ومن خلال الأوامر الربانية ، لأن اللّه الذي خلق الإنسان وأودع فيه الفطرة المستقيمة أودع فيه أيضا العواطف والمشاعر والغرائز والحاجات ووضح المنهج الأمثل الذي يحافظ على استقامة الفطرة ، وينمي فيها نوازع الخير ، ويحد من أهواء النفس والشهوات ويهذب الغرائز ويسمو بها ويوجهها إلى الكمالات الإنسانية :
إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى
[ النجم : 32 ] .
ولقد تنوعت الأساليب القرآنية في عرض الأخلاق والحث على التحلي بها فكثيرا ما يكرر القرآن الكريم خلقا من الأخلاق أو صفة مستمدة منه ويستعملها استعمالات شتى . وما ذاك إلا بهدف ملء أسماع المؤمنين من هذه الصفة ، فإذا ما سيطرت عليهم استشعروها في أنفسهم واتصفوا بها