هذا النفر يتلمس إشارات ذلك في القرآن ، ويدعو إلى فهم القرآن على ضوء النظريات الحديثة ، كأن ما وصلت اليه هذه الحضارة حقائق ثابتة .
ومن أبرز هؤلاء الشيخ طنطاوي جوهري « 1 » في تفسيره الذي سنتحدث عنه بعد قليل .
والحق أنّ هذا الاتجاه من التفسير غير سديد ، وذلك لأن العلم في قلق وتغيير دائم ، وتطور مستمر ، ينقض اليوم ما أقره بالأمس ، والحقائق العلمية تبقى ثابتة في نظر العلماء حتى تدحضها حقائق أخرى ، أما الفرضيات والنظريات فهي منذ أول وهلة في نظرهم لا تعد من الحقائق في شيء .
فكيف يجوز في المنهج الصحيح أن يحتكم في آيات اللّه التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها إلى تلك النظريات القلقة ، والحقائق المعرضة للتغير ؟
وقد عالج هذا الموضوع بعمق وأصالة الأستاذ سيد قطب رحمه اللّه فقال « 2 » :
( ولم يجيء القرآن ليكون كتاب علم فلكي أو كيماوي أو طبي . . كما يحاول بعض المتحمسين له أن يتلمسوا فيه هذه العلوم ، أو كما يحاول بعض الطاعنين فيه أن يتلمسوا مخالفاته لهذه العلوم .
إن كلتا المحاولتين دليل على سوء الإدراك لطبيعة هذا الكتاب ، ووظيفته ومجال عمله . إن مجاله هو النفس الانسانية ، والحياة الانسانية .
وإن وظيفته أن ينشئ تصورا عاما للوجود وارتباطه بخالقه ، ولوضع الانسان في هذا الوجود وارتباطه بربه ، وأن يقيم على أساس هذا التصور
هامش
( 1 ) سنورد ترجمته بعد قليل .
( 2 ) « في ظلال القرآن » 2 / 95 - 99 .