الاحتمال الثاني : أن يكون هذا القرآن مكتسبا من اليهود والنصارى الذين هيئت لهم فرص العمل في المجتمع المكي ، وهذا الاحتمال رده القرآن ، فهؤلاء الذين اضطرتهم ظروف الحياة للعمل في مكة ليقوموا ببعض الحرف ، أيعقل أن يكونوا هم مصدر القرآن ؟ ! إن أبسط قواعد المنطق تجيب بالسلب فهل ثبت أن الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم كان كثير التردد على هؤلاء ، وأوقاته كلها كانت بين رحلة لتجارة ، أو رعي لغنم ، أو جلوس مع قوم لما تتطلبه الأمور الحياتية واليومية ؟ وكان في مدته الأخيرة قبل النبوة يخلو بنفسه ، وكثيرا ما يتردد على غار حراء يقضي فيه الليالي ذوات العدد ، وعلى هذا فلم يكن يملك من الوقت ليكثر التردد على هؤلاء الحرفيين وهم قلة . ثم إنّ قريشا كان يمكن أن تأخذ من هؤلاء ما ترد به على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، لو كان عند هؤلاء شيء يؤخذ . والقرآن - كما قلت - يحسم الأمر في هذا الاحتمال ، فالقرآن الذي أدهش العرب أسلوبا ، وأعجزهم نظما ، يستحيل بداهة أن يوحي به هؤلاء الذين لا يحسنون النطق بالعربية ، فضلا عن أن يجيدوا التعبير فيها . يقول القرآن
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
( 103 ) [ النحل : 103 ] .
وعلى هذا فهذا احتمال لا يثبت أمام أبسط القواعد العقلية ، وأيسر مسلمات المنطق .
الاحتمال الثالث : لم لم تكن التوراة والإنجيل الأساس لهذا القرآن ؟
وهذا الاحتمال حينما ننظر فيه نظرة عاجلة نجده لا يقوى على الثبات ، فهذان الكتابان من المعلوم أنهما لم يترجما إلى العربية ، إلا بعد قرون من بعثة النبي الكريم عليه وآله الصلاة والسلام ، هذا أولا .