سَبِيلٌ
[ آل عمران : 75 ] ، ولم تكن نظرة الفرس والروم إلى العرب ، بأحسن من نظرة اليهود كذلك ، وها هم يستعدون بعضهم على بعض ، ويضربون بعضهم ببعض ، ولذلك كانوا يسخرون منهم وهم يدّعون أنهم سينتصرون عليهم بعد أن جاء الإسلام ، لأنهم كانوا يعرفون العرب قبل الإسلام .
إذن شهادة القرآن وشهادة المجتمع العربي ، وشهادة أولئك الذين يجاورون هذا المجتمع ، كلها ترد بحزم ومنطق دعوى رينان . وهنا يمكن أن يطرح سؤال خلاصته : صحيح أن المجتمع بحالته العامة وبأغلبيته كان كذلك ، ولكن لا يستطيع أحد أن ينكر أنه كان هناك من يسمون الحنفاء يعيشون في هذا المجتمع ، وكانوا يتمردون على عبادة الأصنام ، وبعض الأعراف الجاهلية .
ولقد اشتهرت لهم أشعار كانوا يتحدثون فيها عن قضايا الدين واليوم الآخر والجنة والنار ، فلم لا يكون أولئك مصدرا للقرآن أخذ عنهم وتأثر بهم وقبس منهم ، ورجع إليهم ؟ وللإجابة عن هذا التساؤل نقول : نعم كان هناك من يسمون حنفاء يدّعون أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام ، ولكن من حقّنا أن نتساءل :
ما ذا كان تأثير هؤلاء في المجتمع الجاهلي ؟ وما هي القواعد والعقائد التي أرسوها في هذا المجتمع ؟ وهل سجل التاريخ والواقع معركة كلاميّة فضلا عن معركة حربية كانت بين هؤلاء الحنفاء وبين غيرهم من أبناء المجتمع الجاهلي ؟
لا ريب ذلك كله لم يكن منه شيء ، ثم إن واحدا من هؤلاء الحنفاء لم يدّع الإلهام فضلا عن الوحي .
أما أشعارهم التي كانت تتحدث عن بعض العقائد فإن ذلك كله لا يحمل شبهة ، فضلا عن دليل ، بأن القرآن قد أفاد من هؤلاء :
أما أولا : فليس القرآن كله إخبارا عن اليوم الآخر ، أو بعض قضايا الألوهية ، وإنما فيه الأحكام والتشريعات التي لا نجد لها أثرا في أشعار هؤلاء .