الصحيحة فإذا كان الشيطان لا يستطيع أن يتمثل بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكيف يمكن أن يحاكيه ويقلده في صوته ونبرته .
[ قصة الغرانيق منافية للعصمة ]
وأخيرا ، فإن هذه الأحدوثة لم تعرف إلا متأخرة ، ولذا فنحن نجزم - كما جزم الأئمة - بأنها من وضع الزنادقة في عصر متأخر ، إن ما ادعوه مناف كل المنافاة لعصمة الأنبياء ، والعصمة من المبادئ البدهية التي يتفق عليها العقل والنقل على السواء . ثم هي كذلك مختلفة الاختلاف كله عن البيان القرآني ، يدلنا على ذلك تلك الروايات الظالمة المضطربة لهذه الفرية فتارة يقولون :
( وهي الغرانيق العلى ) ، وتارة : ( الغرانقة العلى ) ، وتارة : ( شفاعتهن لترتجى ) ، وتارة ( ترتجى ) ، ولا ندري كيف يمكن أن يجمع بين قوله :
تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى ( 22 ) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها
[ النجم : 22 - 23 ] وبين هذه الفرية ؟ ! فكيف ترتجى شفاعة هذه الأحجار وما هي إلا أسماء بدون مسميات ما أنزل اللّه بها من سلطان !
ثم إن التهمة التي أرادوا أن يلفقوها ليستدلوا على صحة مدعاهم تهمة باطلة خبيثة لا يستطيعها شياطين الجنّ ، فانبرى لها شياطين الإنس ، وكأني بهؤلاء يصدق عليهم قول القائل ، بل هو قولهم الذي يردده كل منهم .
وكنت امرأ من جند إبليس فارتقى * بي الدهر حتى صار إبليس من جندي
فلو مات قبلي كنت أحسن بعده * طرائق فسق ليس يحسنها بعدي
وتتلخص هذه التهمة بأنهم فسروا قوله سبحانه :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
[ الحج : 52 ] ، فسروا التمني في هذه الآيات بالقراءة ، وقالوا : هذه الآية جاءت تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، يقال له : لست وحدك الذي يلقي الشيطان في قراءته ، بل هو شأن الأنبياء من قبلك ، فلا تحزن إن ألقى الشيطان في قراءتك حكاية الغرانيق ! ومع بطلان هذا القول كما بيناه من قبل فإن التمني