وهذه الرواية يجعلونها تفسيرا لقوله سبحانه :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
( 52 ) [ الحج : 52 ] . ولقد وقف الأئمة قديما وحديثا من هذه القضية موقف التمحيص ، وبينوا فسادها وبطلانها من جهة النقل ومن جهة العقل « 1 » :
[ بيان عدم صحتها من جهة العقل والنقل ]
أما النقل فإنها لم ترو في كتب السنة المعتدّ بها بأسانيد صحيحة أو مقبولة ، ولا عبرة إن نقلها بعض القصّاص والمفسرون الذين يولعون بنقل الأقاصيص والحكايات الغريبة دون تمحيص أو تثبّت . وأما من جهة العقل :
فأولا : إن هذا لو صح لتمسك به المشركون أعداء الإسلام في ذلك الوقت ، ولكان له ردة فعل سيئة عند بعض المسلمين ، وكلنا يعلم نتيجة ما كان في حادثة الإسراء ، حيث ارتد بعض ضعاف العقيدة ، وكلنا يعلم ما كان عند تحويل القبلة ، كيف استغلت هذه القضية استغلالا غير شريف ولا نزيه .
ثانيا : إن كلمة الغرانيق مما لم يستعمله العرب وصفا لآلهتهم شعرا أو نثرا مما يجعلنا نجزم أن هذه الفرية لفقت فيما بعد .
ثالثا : إن ما قبل هذه السورة وما بعدها فيه موقف حازم من قضية الأصنام ومن أنها تخلق مجردة من الحياة ،
أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ
فأي عاقل ، بل أيّ عقل يمكن أن يصدق بهذه الحكاية التي ردت بحزم في جميع آي القرآن .
رابعا : إن شخصية النبي عليه وآله أفضل الصلاة وأتم التسليم كانت شخصية متوازنة كل التوازن ، وبخاصة في قضايا الوحي ، وها هي الروايات الكثيرة تحدث أنه كانت تعرض عليه الحادثة من الحوادث فلا يقطع فيها
هامش
( 1 ) راجع ما كتبه الشيخ محمد عبده والسيد رشيد في تفسير الفاتحة وست سور ، في مجلة المنار ص 156 .