ولقد سجل القرآن هذا :
إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ( 35 ) وَيَقُولُونَ أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ ( 36 ) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ
( 37 ) [ الصافات : 35 - 37 ] .
والتهمة بالجنون تهمة قديمة ، كانت منذ اللحظة الأولى التي دعا فيها النبي قومه ، ودليل ذلك سورة ( ن ) :
ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ
( 2 ) [ القلم : 2 ] ، فهم يجمعون على أنها من أول الآيات نزولا ، وأرجح الأقوال أنها نزلت بعد آيات العلق والمدثر . هذا الجنون إذن ما كان إلا من أجل دعوتهم أن يتركوا آلهتهم ويتبعوا إلها واحدا ، أفيقال بعد ذلك إن دعوة التوحيد كانت متأخرة في القرآن ؟ !
ثالثا [ مبدأ الوحدانية قديم منذ أول رسول ]
: لا ندري كيف تقبل هذه الدعوى وهي ما ورثته الموسوعة ونقلته عمن سبقها من المستشرقين وغيرهم ، لا أدري كيف يتفق هذا القول مع ما جاء في القرآن من ذكر المرسلين عليهم الصلاة والسلام ، وها هو القرآن يحدثنا عن كل واحد منهم بأنه كان يدعو قومه إلى عبادة اللّه الواحد
يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
[ الأعراف : 65 ] ، هذه هي دعوة الرسل جميعا ، منذ نوح عليه السّلام أول هؤلاء الرسل إلى أقوامهم ، والنبي ليس بدعا من الرسل كما جاء في القرآن الكريم :
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ
[ الأحقاف : 9 ] ، ودعوة الأنبياء في هذا الأصل واحدة :
أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
[ الشورى : 13 ] ، فكيف تذكر هذه الدعوة دعوة الأنبياء للتوحيد مبكرة في القرآن وتكون دعوة النبي إلى التوحيد متأخرة !
رابعا [ كل سورة من السور الأولى تدعو إلى التوحيد ]
: إن أي سورة من السور الأولى تدعو إلى التوحيد بكل جزء من أجزائها ، وليس كما قال بلاشير من أن أول سورة هي
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ،
فإن هذه السورة سورة الإخلاص لم تأت للحديث عن الوحدانية بادئ بدء ، وإنما جاءت - كما تقول الروايات - إجابة عن سؤال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « صف لنا ربك » .
وهذا ما يدل عليه محتوى السورة ، سورة الإخلاص .
إذن ليست هي أول سورة جاءت تقرر الوحدانية ، فالوحدانية مقررة من قبل ، ولكنها جاءت ردا على تساؤل وتصحيحا لتصور خاطئ ، ونظم السورة ومحتواها دالان على هذا .