وقد جعلوا هذا الحبل أشتاتا في ظنونهم ، وهو بحمد اللّه متين
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ( 42 )
[ فصلت ] ، فيؤوّله كل فريق حسب ظنه ، ويحرّف طريق الكلام عن متنه ، وبالنظام يتبين سمت الكلام ، فينفي عن آيات اللّه أهواء المبتدعين ، وانتحال المبطلين ، وزيغ المنحرفين
مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ( 46 )
[ النساء ] ، والذين يقطعون كلام اللّه عمّا بين يديه وما خلفه ، ويضمّون إليه ما يعجب هوى نفوسهم .
الثاني : أني رأيت الملحدين ، قد طعنوا في القرآن من جهة سوء النظم ، ورأيت جمهور علماء المسلمين ، عوض الشهادة بالحق ، والمنافحة عن حقيقة كتاب اللّه ، قد تفوّهوا بمثل ما قالوا
كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ ( 5 )
[ الكهف ]
وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ( 141 )
[ النساء ] . وقد علمت حق اليقين أن قولهم باطل ، وحجتهم داحضة ، فلم يسعني أن أسكت ، وأرى الباطل قد عمّت بلواه ، وبلغ السبيل زباه .
الثالث : أنه لا يخفى أن نظم الكلام بعض منه ، فإن تركته ذهب بعض معناه ، فإنّ للتركيب معنى زائدا على أجزاء الأشتات فلا شكّ أن من حرم فهم النظام ، فقد حرم حظا وافرا من الكلام ، ويوشك أن يشبه حاله من قبله من أهل الكتاب ، كما أخبر اللّه تعالى عنهم
فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ( 14 )
[ المائدة ] وأخاف أن تكون هذه العداوة والبغضاء والتي نراها في المسلمين من هذا النسيان ، فلا تهدأ عداوتهم ، ولا يرجعون عن اختلافهم ، وسبب ذلك ما ذكرنا في الأمر الأول ، لأنا إذا اختلفنا في معاني كلامه اختلفت أهواؤنا ، وصرنا مثل أهل الكتاب ، غير أن رجاءهم كان بهذا النبي وهذا القرآن الذي يرفع اختلافهم ، وأما نحن فليس لنا إلا هذا الكتاب المحفوظ . . . » .