كالفصوص في الخواتم ، وسوره منظمة في سلك واحد ، كالدرر في القلائد ، حتى لو قدّم ما أخّر ، أو أخّر ما قدّم ، لبطل النظام وفسدت بلاغة الكلام ، بل ربما يعود إلى قريب من الهذيان .
كيف اهتدى الفراهي إلى علم النظام :
يبيّن الفراهي في موضع آخر من كتابه كيف اهتدى إلى هذا العلم فيقول :
« . . . وقد يسّر اللّه لي بمحض نعمته فهم نظم القرآن في سورة البقرة ، وسورة القصص من نفس القرآن . وإني كنت مولعا بتلاوته ، وهو أحبّ الكتب وألذّها عندي - وللّه الحمد - . وقد كنت أسمع أن القرآن أشتّ الكتب نظما ، لنزوله نجما نجما ، ولكن بعد ما ظهر لي النظام في سورتين حثّني على التدبّر في باقيها ، وكنت في حدث السن وعوز الفرصة ، فمضت بضع عشرة سنة حتى وفقني اللّه تعالى أن ابتدأت من أول القرآن ، ويسّر لي الإتمام في سنة كاملة ، وهممت أن أبرزه للناس ، فروّعني عظم الذمة ، وروّعني كبر المغبّة ، فمكثت أراجع النظر فيه مرة بعد مرة أمدا طويلا ، مستعينا باللّه من ظلمات النفس وغوايات الجهل ، ومع ذلك وددت لو طويته على غرّه ، وسكتّ عن حلوه ومرّه ، ونجوت من إثمه وبره ، ولكن اضطرني إليه أمور :
الأول : إني رأيت اختلاف الآراء في التأويل من عدم التزام رباط الآيات ، فإنه لو ظهر النظام ، واستبان لنا عمود الكلام لجمعنا تحت راية واحدة وكلمة سواء
كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ( 24 )
[ إبراهيم ] وجعلنا معتصمين بحبل كتابه كما قال :
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ( 103 )
[ آل عمران ] . وكيف الخلاص عن التفرّق الأصلي ،