الصحة ، فإنها أشرف من الكناسة التي غرضها تنظيف المستراح .
فإذا ثبت ذلك ، فصناعة التفسير قد حصل لها الشرف من الجهات الثلاث ، وهو أن موضوعها - المفسّر - : كلام اللّه تعالى الذي هو ينبوع كل حكمة ، ومعدن كل فضيلة . وصورة فعله : إظهار خفيات ما أودعه منزله من أسراره
لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 29 )
[ ص ] ، وغرضه :
التمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ، والوصول إلى السعادة الحقيقية التي لا فناء لها ، ولهذا عظّم اللّه محله بقوله :
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ( 269 )
[ البقرة ] - قيل : هو تفسير القرآن « 1 » - .
اعتراض ورده :
اعترض بعض الناس فقال : كيف وصف القرآن بالبيان ؟ فقال تعالى :
هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ ( 138 )
[ آل عمران ] ، وقوله :
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ( 176 )
[ النساء ] ، وقوله :
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ( 195 )
[ الشعراء ] ، وقوله :
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ ( 34 )
[ النور ] مع ما فيه من الإشكال والمتشابه ، وما يجري مجرى الرموز . . .
ويجاب عن ذلك بأن البيان المشروط فيه إنما هو بالإضافة إلى أعيان أرباب اللسان ، لا إلى كل من يسمعه ممن دبّ ودرج ، فقد علمنا أن ذلك ليس ببيان لمن ليس من أهل العربية ، ثم أحوال أهل العربية مختلفة في معرفته ، ولو كان البيان لا يكون بيانا حتى يعرفه العامة لأدى إلى أن يكون البيان في الكلام السوقي والعامي ، أو إلى أن لا يكون بيانا بوجه ، إذ كل كلام بالإضافة إلى قوم بيان ، وبالإضافة إلى آخرين ليس ببيان ،
هامش
( 1 ) « مقدمة جامع التفاسير » : 91 - 92 .