التساؤلات التي تقوم في الأذهان حينما نرى كثرة عدد الآيات التي أدخلها السلف في الناسخ والمنسوخ ، فإذا عرفنا أن ذلك يرجع إلى اختلاف الاصطلاح زال الإشكال والتساؤل : إذ لا مشاحة في الاصطلاح .
سعة مفهوم النسخ لدى السلف :
إن السلف رضوان اللّه عليهم يجعلون مفهوم النسخ أعم مما عرفه المتأخرون واستقر عليه اصطلاحهم . قال الشاطبي في « الموافقات » :
« الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ - عندهم - على الإطلاق :
أعم منه في كلام الأصوليين ، فقد كانوا يطلقون على تقييد المطلق نسخا ، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخا ، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخا ، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخا ، لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد ، وهو أن النسخ - في الاصطلاح المتأخر - أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف ، وإنما المراد ما جيء به آخرا ، فالأول غير معمول به والثاني معمول به .
وهذا المعنى جار في تقييد المطلق ، فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيده ، فلا إعمال له في إطلاقه ، بل المعمل هو المقيّد ، فكأن المطلق لم يفد مع مقيده شيئا ، فصار مثل الناسخ والمنسوخ .
وكذلك العام مع الخاص ، إذ كان ظاهر العام يقتضي شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللفظ ، فلما جاء الخاص أخرج ظاهر العام من الاعتبار ، فأشبه الناسخ والمنسوخ ، إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة ، وإنما أهمل منه ما دلّ عليه الخاص ، وبقي السائر على الحكم الأول . والمبيّن مع المبهم ، كما المقيد مع المطلق .