كتاب اللّه تعالى .
- وإنما يمنع العقل بعدم شغل الجوارح بما لا يشتغل به العقل ، واستعمال كل جارحة ، بما يعينه على الفهم .
- وبمنع عقلك من كل فكر وذكر ، يقوى طلب فهم كلام مولاك ، لأنك إذا لم تشغل جوارحك بشيء غير ذلك ، ومنع عقلك عن النظر والفكر في غير ذلك ، اجتمع همك وحضر عقلك ، وإذا حضر عقلك ، زكا ذهنك ، وإذا زكا ذهنك قويت على طلب الفهم ، واستبان فيه اليقين ، وصفا فيه الذكر ، وقوي فيه الفكر .
وبذلك مدح اللّه المستمعين لتلاوة كتابه بالفهم فقال عز وجل :
فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا ( 29 )
[ الأحقاف ] ، لئلا يشتغلوا عن فهم ما يتلو نبيه عليه السلام ، فلما فهموا ما سمعوا ولوا إلى قومهم منذرين فقالوا :
يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ( 30 )
[ الأحقاف ] . وقالوا :
إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً ( 1 ) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ( 2 )
[ الجن ] . لقد نطقوا بالحكم عن فهم بيّن ، وعن عقول ذكية في استماع آيات في مقام واحد ، فدعوا إلى إجابة اللّه عز وجل ، وأمّلوا المغفرة والنجاة من العذاب الأليم . . . فإذا أحضرت عقلك بجمع همك بنية صادقة ، وسارعت إلى محابه ، وتجنبت مساخطه ، أقبل عليك بلطفه وولي تقويم عقلك بفهم كلامه ، وأذاقك الحلاوة التي أذاقها أهل التقوى ، لأن كلامه ربيع قلوب الأبرار . . ولا يثقل فهم كلامه إلا على من تعطل قلبه ألّا يسمع :
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 )
[ الأنفال ] .
فإذا أقبلت على اللّه تعالى بصدق نية ورغبة لفهم كتابه باجتماع همّ متوكلا عليه أنه هو الذي يفتح لك الفهم ، لا على نفسك فيما تطلب ولا