وكلا هذين القولين ظاهر الفساد :
أما القول الأول : فلان الآية الكريمة لا دلالة فيها على جواز شرب الخمر بوجه ، وإن فرض أن تحريم الخمر لم يكن في زمان نزول الآية ، فالآية لا تعرض لها لحكم الخمر رخصة أو تحريما . على أن هذا مجرد فرض لا وقوع له . ففي رواية ابن عمر : « نزلت في الخمر ثلاث آيات فأول شيء نزل :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
« 1 » .
فقيل حرمت الخمر ، فقيل يا رسول اللّه دعنا ننتفع بها ، كما قال اللّه عزّ وجلّ ، فسكت عنهم ، ثم نزلت هذه الآية : « 2 »
لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى
« 3 » .
وروى نحو ذلك أبو هريرة « 4 » . وروى أبو ميسرة عن عمر بن الخطاب قال : « لما نزل تحريم الخمر . قال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ، فنزلت هذه الآية التي في سورة البقرة :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ
« 5 » .
قال فدعي عمر فقرئت عليه . فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ، فنزلت الآية التي في سورة النساء :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى
« 6 » .
فكان منادي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذا أقام الصلاة نادى لا يقربنّ الصلاة سكران ، فدعي عمر فقرئت عليه ، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ، فنزلت الآية التي في المائدة فدعي عمر فقرئت عليه ، فلما بلغ :
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
« 7 » .
قال : فقال عمر : انتهينا انتهينا « 8 » . وأخرج النسائي أيضا هذا الحديث باختلاف يسير في ألفاظه « 9 » .
وأما القول الثاني : فلأن وجوب الوضوء عند القيام إلى الصلاة لا مساس له بمضمون الآية الكريمة ليكون ناسخا لها .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 219 .
( 2 ) مسند الطيالسي ج 8 ص 264 .
( 3 ) سورة النساء : الآية 43 .
( 4 ) مسند أحمد ج 2 ص 351 .
( 5 ) سورة البقرة : الآية 219 .
( 6 ) سورة النساء : الآية 43 .
( 7 ) سورة المائدة : الآية 91 .
( 8 ) نفس المصدر ج 1 ص 53 .
( 9 ) سنن النسائي باب تحريم الخمر ج 2 ص 323 .