غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ
« 1 » ، وهذا بيان ما ليس بظلم من أكل مالهم ، ونحو قوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
« 2 » ، قال : فلم تحرم . ثم قال :
إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ
« 3 » - الآية - وهذا أيضا بيان الأول ، « 4 » وذاك أن ما كان مضرته أكثر من منفعته « 5 » ، فالعقل بالجملة يقتضي ، لكن لما كان غير صريح أكده بالآية الأخرى [ ذلك ] « 6 » .
ومن التخصيص الذي يعد نسخا قوله تعالى :
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ
، مع قوله تعالى :
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
« 7 » .
هامش
كان فقيرا أن يأكل من مال يتيمه بالمعروف ، وهي عند ابن عباس منسوخة بقوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماًالآية - وقاله زيد بن أسلم - ، وقيل : نسخت بقوله :وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ- سورة : الآية البقرة 188 - وقال أهل العراق : لا يأكل الوصي من مال يتيمه شيئا إلا أن يسافر من أجله فله أن يتقوت من ماله ولا يقتني . وقال جماعة من العلماء : الآية محكمة غير منسوخة ومعنى :بِالْمَعْرُوفِقرضا يؤديه إذا أيسر .
وقوله :فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْقيل معناه : فما استقرضتم من أموالهم ، وهذا القول مروي عن عمر وابن عباس والشعبي وابن جبير .
- وانظر بقية الأقوال في الإيضاح : 175 - 176 .
( 1 ) سورة النساء : الآية 6 .
( 2 ) سورة البقرة : الآية 219 .
( 3 ) سورة المائدة : الآية 90 .
( 4 ) في نسخة : للأول .
( 5 ) في نسخة : نفعه .
( 6 ) قال مكي في الإيضاح : - قوله تعالى :يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِالآية - : أكثر العلماء على أنها ناسخة لما كان مباحا من شرب الخمر ، لأنه تعالى أخبرنا أن في الخمر إثما وأخبرنا أن الإثم محرم بقوله تعالى :قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّفنص على أن الإثم محرم وأخبر أن في شرب الخمر إثما ، فهي محرمة بالنص الظاهر الذي لا إشكال فيه - وما حرم : كثيره أو قليله حرام - كلحم الخنزير والميتة والدم . وسورة البقرة مدنية فلا يعترض على ما فيها بما نزل في الأنعام المكية في قوله تعالى :قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ . . .لأن هذا التحريم نزل بمكة ، والخمر نزل تحريمها بالمدينة ، وزادنا اللّه تأكيدا في تحريم الخمر بقوله :فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ! ! فهذا تهديد ووعيد يدلان على تأكيد التحريم للخمر . . وقال ابن جبير لما نزلت :قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِكره الخمر قوم للإثم وشربها قوم للمنافع حتى نزل :لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارىفتركوها عند الصلاة حتى نزلتفَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَفحرمت . فهذا يدل على أن آية البقرة منسوخة بآية المائدة . والمائدة نزلت بعد البقرة بلا شك . . . » .
( 7 ) قال مكي في كتاب الإيضاح : 76 - 77 :
قال اللّه تعالى :وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّالبقرة : 221 فعمّ هذا اللفظ تحريم نكاح كل مشركة من كتابية وغيرها ، ثم خصص ذلك بقوله في المائدة :وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْفأحل نكاح الكتابية ، فخرج الكتابيات من عموم آية البقرة ، وبقيت الآية مخصوصة في تحريم نكاح كل مشركة غير كتابية ، فبيّن بالتخصيص الأعيان ، المحرمات ، ولا يكون هذا نسخا ، لأن حكم النسخ إزالة الحكم الأول بكليته ، ولأن النسخ إنما هو بيان الزمان الذي انتهى إليه العمل بالفرض المنسوخ ، وليس ذلك في هذا .
وقد روي عن ابن عباس أنه قال : آية المائدة ناسخة لآية البقرة ، وهذا إنما يجوز على أن تكون آية البقرة