تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 593

مساهمون:

ص٥٩٣
الحياة والموت والرزق والأجل ، وما يقضيه اختلاف مصالح العباد بحسب إختلاف الاعصار وتكامل الأفراد من الإنسان ، وإذا نسخ حكم ديني بحكم ديني كان الجميع مشتملا على مصلحة الدين ، وكل من الحكمين أطبق على مصلحة الوقت ، أصلح لحال المؤمنين ، كحكم العفو في أول الدعوة وليس للمسلمين بعد عدة ولا عدة . وحكم الجهاد بعد ذلك حينما قوي الإسلام وأعد فيهم ما استطاعوا من قوة ، وركز الرعب في قلوب الكفار والمشركين . والآيات المنسوخة مع ذلك لا تخلو من إيماء وتلويح إلى النسخ ، كما في قوله تعالى :
فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
« 1 » ، المنسوخ بآية القتال ، وقوله تعالى :
فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا
« 2 » المنسوخ بآية الجلد فقوله :
حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
وقوله :
أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا
لا يخلو عن إشعار بأن الحكم موقت مؤجل سيلحقه نسخ . وخامسا : أن النسبة التي بين الناسخ والمنسوخ غير النسبة التي بين العام والخاص وبين المطلق والمقيد وبين المجمل والمبيّن ، فان الرافع للتنافي بين الناسخ والمنسوخ بعد استقراره بينهما بحسب الظهور اللفظي هو الحكمة والمصلحة الموجودة بينهما ، بخلاف الرافع للتنافي بين العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبيّن ، فإنه قوة الظهور اللفظي الموجود في الخاص والمقيد والمبين ، المفسر للعام بالتخصيص ، وللمطلق بالتقييد وللمجمل بالتبيين على ما بيّن في فن أصول الفقه ، وكذلك في المحكم والمتشابه على ما سيجيء في قوله :
مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
« 3 » » « 4 » .

قال الصادقي في كلام حول النسخ :

القرآن - في جملة واحدة - ناسخ لسواه وليس منسوخا بسواه ، قبله أو معه أو بعده ، وان كان فيه بعض التناسخ لنفسه في أحكام مؤقتة امتحانية ، كحكم النجوى والزنا وعدد الكفاح في قتال الكفار :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
« 5 » .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 109 . . ( 2 ) سورة النساء : الآية 14 . ( 3 ) سورة آل عمران : الآية 7 . ( 4 ) الميزان ج 1 ص 251 - 253 . ( 5 ) سورة فصلت : الآية 42 .