بذلك ، وعلى هذا فاعلم أن النسخ :
إما ابطال الحكم المستفاد من نفي سابق بنص لاحق ، مثل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ، فالأول بطلب الكف ، والثاني بالإتيان على الإباحة بحل التحريم .
وإما لرفع عموم النص السابق أو تقييده ، كقوله تعالى :
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
« 1 » ، ثم قال في سورة الأحزاب النازلة بعدها
إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ
« 2 » ، وكذلك الأمر في عدة الوفاة فإنها قيدت بأربعة أشهر وعشرة أيام في الآية 134 من البقرة أيضا ، ثم قيدت عدة الحامل بوضع الحمل في الآية 4 من سورة الطلاق النازلة بعدها ، فالأول عام للمدخول بها وغيرها ، والثاني أعطى غير المدخول بها حكما خاصا ، وكذلك قوله تعالى :
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ
، ثم قوله بعدها فيها :
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ
« 3 » فالأول عام في كل قاذف ، والثاني خاص بالزوج لجعله الأيمان الخمسة قائمة مقام الشهادات الأربع . هذا مثال التخصيص .
ومثال التقييد قوله تعالى :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ
« 4 » مع قوله في سورة الأنعام النازلة قبلها :
إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً
« 5 » ، فالدم الوارد في سورة المائدة مطلق ، والوارد في سورة الأنعام مقيد بالسفح فحمل المقيد على المطلق ، وبهذا نعلم أن العام والمطلق لم ينلهما ابطال ، لأن التخصيص والتقيد بمثابة الاستثناء في الحكم .
والقاعدة ما من عام إلا وقد خصص ، وما من مطلق إلا وقد قيد في بعض الأحوال ، فيستوي فيه اللاحق المتصل بسابقة والمتراخي عنه والمقدم والمؤخر ، فمن سمى المتقدم أو المتأخر ناسخا ولا يكون المتقدم ناسخا للمتأخر البتة كان بمقتضى التقييد والتخصيص ليس إلا كآية الأنعام بالنزول على آية المائدة ، فمن يسميه ناسخا كان كمن يسميه مقيدا أو مخصصا .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 228 .
( 2 ) سورة الأحزاب : الآية 49 .
( 3 ) سورة النور : الآية 4 - 5 .
( 4 ) سورة المائدة : الآية 3 .
( 5 ) سورة الأنعام : الآية 145 .