فلا إعمال له في إطلاقه ، بل المعمل هو المقيد ، فكأن المطلق لم يفد مع مقيده شيئا ، فصار مثل الناسخ والمنسوخ . وكذلك العام مع الخاص . إذ كان ظاهر العام شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللفظ ، فلما جاء الخاص أخرج حكم ظاهر العام عن الاعتبار ، فأشبه الناسخ والمنسوخ ، إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة ، وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص ، وبقي السائر على الحكم الأول ، والمبين مع المبهم ، كالمقيد مع المطلق . فلما كان كذلك استسهل إطلاق لفظ النسخ في جملة هذه المعاني ، لرجوعها إلى شيء واحد ، ولا بد من أمثلة تبيّن المراد : فقد روى عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ
« 1 » : أنه ناسخ لقوله تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها
« 2 » وهذا ، على التحقيق ، تقييد لمطلق . إذ كان قوله :
نُؤْتِهِ مِنْها
مطلقا ومعناه مقيد بالمشيئة ، وهو قوله في الأخرى :
لِمَنْ نُرِيدُ
وإلا فهو إخبار ، والأخبار لا يدخلها النسخ .
وقال في قوله :
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ
إلى قوله :
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
« 3 » : هو منسوخ بقوله :
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً . . .
« 4 » الآية ، قال مكيّ - وقد ذكر عن ابن عباس ، في أشياء كثيرة في القرآن فيها حرف الاستثناء ، أنه قال : منسوخ - قال : وهو مجاز لا حقيقة . لأن المستثنى مرتبط بالمستثنى منه ، بيّنه حرف الاستثناء ، أنه في بعض الأعيان الذين عمهم اللفظ الأول ، والناسخ منفصل من المنسوخ ، رافع لحكمه ، وهو بغير حرف . هذا ما قال . ومعنى ذلك :
أنه تخصيص للعموم قبله ، ولكنه أطلق عليه لفظ النسخ ، إذ لم يعتبر فيه الاصطلاح الخاص .
وقال في قوله تعالى :
لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها
« 5 » : أنه منسوخ بقوله :
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ . . .
« 6 » الآية . وليس من الناسخ والمنسوخ في شيء . غير أن قوله :
لَيْسَ عَلَيْكُمْ
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : الآية 18 .
( 2 ) سورة الشورى : الآية 20 .
( 3 ) سورة الشعراء : الآية 224 - 226 .
( 4 ) سورة الشعراء : الآية 227 .
( 5 ) سورة النور : الآية 27 .
( 6 ) سورة النور : الآية 29 .