أرباب البلاغة واللحن « 1 » ، وعنهم تؤخذ الفصاحة واللسن « 2 » .
فبلاغة القرآن في أعلى طبقات الإحسان ، وأرفع درجات الإيجاز والبيان ، بل تجاوزت حد الإحسان والإجادة إلى حيز الإرباء والزيادة . هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع ما أوتى من جوامع الكلم ، واختص به من غرائب الحكم ، إذا تأملت قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في صفة الجنان ، وإن كان في نهاية الإحسان ، وجدته منحطا عن رتبة القرآن ، وذلك في قوله عليه السّلام : « فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » فأين ذلك من قوله عز وجل :
وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ
« 3 » . وقوله :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
« 4 » . هذا أعدل وزنا ، وأحسن تركيبا ، وأعذب لفظا ، وأقل حروفا ، على أنه لا يعتبر إلا في مقدار سورة أو أطول آية ، لأن الكلام كلما طال اتسع فيه مجال المتصرف ، وضاق المقال على القاصر المتكلف ، وبهذا قامت الحجة على العرب ، إذ كانوا أرباب الفصاحة ، ومظنة المعارضة ، كما قامت الحجة في معجزة عيسى عليه السّلام على الأطباء ، ومعجزة موسى عليه السّلام على السحرة ، فإن الله سبحانه إنما جعل معجزات الأنبياء عليهم السّلام بالوجه الشهير أبرع ما يكون في زمان النبي الذي أراد إظهاره ، فكان السحر في زمان موسى عليه السّلام قد انتهى إلى غايته ، وكذلك الطب في زمن عيسى عليه السّلام ، والفصاحة في زمن محمد صلّى اللّه عليه وسلّم « 5 » .
قال ابن جزى : « في إعجاز القرآن وإقامة الدليل على أنه من عند اللّه عز وجل :
« ويدل على ذلك عشرة أوجه ، الأول : فصاحته التي امتاز بها عن كلام المخلوقين .
الثاني : نظمه العجيب وأسلوبه الغريب من قواطع آياته وفواصل كلماته .
الثالث : عجز المخلوقين في زمان نزوله وبعد ذلك إلى الآن عن الإتيان بمثله .
الرابع : ما أخبر فيه من أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية ولم يكن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يعلم ذلك ولا قرأه في كتاب .
الخامس : ما أخبر فيه من الغيوب المستقبلة فوقعت على حسب ما قال .
السادس : ما فيه من التعريف بالبارى جل جلاله ، وذكر صفاته وأسمائه ، وما يجوز
هامش
( 1 ) اللحن ( بالتحريك ) : الفطنة واللغة .
( 2 ) اللسن ( بالتحريك ) : الفصاة .
( 3 ) سورة الزخرف : الآية 71 .
( 4 ) سورة السجدة : الآية 17 .
( 5 ) الجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 73 - 78 .