قريش كلهم . فقال أبو جهل : أنا أكفيكموه ، فقعد حزينا ، وكلمه بما أحماه ، فقال فأتاهم فقال : تزعمون أن محمدا مجنون ، فهل رأيتموه يخنق ؟ وتقولون : إنه كاهن ، فهل رأيتموه قط يتكهن ؟ وتزعمون أنه شاعر ، فهل رأيتموه يتعاطى شعرا قط ؟ وتزعمون أنه كذاب ، فهل جربتم عليه شيئا من الكذب ، فقالوا في كل ذلك : اللهم لا . ثم قالوا : فما هو ؟ ففكر ، فقال : ما هو إلا ساحر ، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه ، وما الذي يقوله إلا سحر يأثره عن مسيلمة وعن أهل بابل ، فارتج النادي فرحا ، وتفرقوا معجبين بقوله .
ويروى أنه لما اجتمعت قريش عند حضور الموسم ، قال لهم الوليد : إن وفود العرب ترد . فأجمعوا فيه - يعنى النبي - رأيا لا يكذب بعضكم بعضا ، فقالوا : نقول كاهن . قال :
واللّه ما هو بكاهن ولا هو بزمزمته ولا سجعه .
قالوا : مجنون . قال : ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا وسوسته . قالوا : فنقول شاعر ، قال :
ما هو بشاعر ، قد عرفنا الشعر كله ، رجزه وهزجه وقريضه ومبسوطه ومقبوضه ، ما هو بشعر ، قالوا : فنقول ساحر ، قال : ما هو بساحر ولا نفثه ولا عقده ، قالوا : فما نقول ؟ قال :
ما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا وأنا أعرف أنه لا يصدق ، وإن أقرب القول أنه ساحر ، وأنه سحر يفرق به بين المرء وابنه ، والمرء وأخيه ، والمرء وزوجته ، والمرء وعشيرته :
فتفرقوا وجلسوا على السبل يحذرون الناس « 1 » : فأنزل اللّه تعالى فيه .
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً
الآيات « 2 » .
وقال صاحب الطراز : قال الوليد بن المغيرة في القرآن ما قال ، حين جاء إلى الرسول ، وقال له : أتل على يا محمد ما أنزل إليك ، فأسرع الرسول إلى ذلك طمعا في الانقياد ، فقرأ :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ
« 3 » إلى آخر السورة ، فقال : إن أعلاه لمورق ، وإن أسفله لمغدق ، وإن له لحلاوة « 4 » .
ويروى أن أبا جهل قال في ملأ من قريش : قد التبس علينا أمر محمد ، فلو التمستم لنا رجلا عالما بالشعر والكهانة والسحر ، فكلّمه ثم أتانا ببيان عن أمره . فقال عتبة : واللّه لقد
هامش
( 1 ) الشفاء ج 1 ص 233 إعجاز القرآن للرافعي ص 357 - 358 .
( 2 ) سورة المدثر : الآية 11 - 25 .
( 3 ) سورة فصلت : الآية 1 - 3 .
( 4 ) ص 218 الطراز .