يفهم من مواضع من الكشاف اعتماده ، أن مرجع القراءات اجتهاد الأئمة القارئين .
ولذلك جاء في سورة الكهف عند آية :
هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ
« 1 » ما مثاله ، وقرأه عمرو بن عبيد بالنصب على التأكيد ، كقولك : هذا عبد اللّه الحقّ لا الباطل . وهي قراءة حسنة فصيحة ، وكان عمرو بن عبيد من أفصح الناس وأنصحهم . فكتب الناصر في الانتصاف يتعقبه ما مثاله : قد تقدم الإنكار عليه في مثل هذا القول ، فإنه يوهم أن القراءات موكولة إلى رأى الفصحاء واجتهاد البلغاء ، فتتفاوت في الفصاحة لتفاوتهم فيها ، وهذا منكر شنيع . والحق أنه لا يجوز لأحد أن يقرأ إلا بما سمعه فوعاه متصلا بفلق فيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، منزلا كذلك من السماء ، فلا وقع لفصاحة الفصيح . وإنما هو ناقل كغيره . ولكن الزمخشري لا يفوته الثناء على رأس البدعة ، ومعدن الفتنة . فإن عمرو بن عبيد أول مصمم على إنكار القدر ، وهلم جرا إلى سائر البدع الاعتزالية . فمن ثم أثنى عليه اه . يعنى بما تقدم له ، ما ذكره في سورة الأنعام في آية :
وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ
« 2 » ، وذلك أن الزمخشري قال هناك : وأما قراءة ابن عامر : قتل أولادهم شركائهم . برفع القتل ، ونصب الأولاد ، وجر الشركاء ، على إضافة القتل إلى الشركاء والفصل بينهما بغير الظرف ، فشئ لو كان في مكان الضرورات وهو الشعر ، لكان سمجا مردودا كما سمج وردّ :
زجّ القلوص أبي مزادة فكيف به في الكلام المنثور ؟ فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته ؟ ، والذي حمله على ذلك أنه رأى في بعض المصاحف ( شركائهم ) مكتوبا بالياء .
فكتب الناصر عليه ما ملخصه : إن الزمخشرىّ ركب متن عمياء ، فإنه تخيل أن القراء ، أئمة الوجوه السبعة ، اختار كل منهم حرفا قرأ به اجتهادا ، لا نقلا وسماعا . فلذلك غلّط ابن عامر في قراءته هذه . وأخذ يبين أن وجه غلطه رؤيته الياء ثابتة في شركائهم ، فاستدل بذلك على أنه مجرور ، وتعين عنده نصب أولادهم بالقياس ، إذ لا يضاف المصدر إلى أمرين معا . فقرأ منصوبا - إلى أن قال : فهذا كله كما ترى ظنّ من الزمخشرىّ أن ابن عامر قرأ
هامش
( 1 ) سورة الكهف : الآية 44 .
( 2 ) سورة الأنعام : الآية 137 .