هذا مما يدل على هذا المعنى .
ومنها التجربة وهي أنه لا أحد من العلماء لجأ إلى القرآن في مسألة إلا وجد لها فيه أصلا . وأقرب الطوائف من إعواز المسائل النازلة أهل الظواهر الذين ينكرون القياس .
ولم يثبت عنهم أنهم عجزوا عن الدليل في مسألة من المسائل . وقال ابن حزم الظاهري : كل أبواب الفقه ليس منها باب إلا وله أصل في الكتاب والسنة ، نعلمه والحمد للّه . حاشى القراض فما وجدنا له أصلا فيهما البتة . إلى آخر ما قال .
وأنت تعلم أن القراض نوع من أنواع الإجارة . وأصل الإجارة في القرآن ثابت . وبيّن ذلك إقراره عليه السّلام وعمل الصحابة به .
ولقائل أن يقول : إن هذا غير صحيح . لما ثبت في الشريعة من المسائل والقواعد غير الموجودة في القرآن ، وإنما وجدت في السنة . ويصدق ذلك ما
في الصحيح من قوله عليه السّلام « 1 » : لا ألفينّ أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمرى ، مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول : لا ندري ما وجدنا في كتاب اللّه اتبعناه .
وهذا ذم ومعناه اعتماد السنة أيضا .
ويصححه قول اللّه تعالى :
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
« 2 » الآية : قال ميمون بن مهران : الرد إلى اللّه ، إلى كتابه . والرد إلى الرسول ، إذا كان حيا . فلما قبضه اللّه ، فالرد إلى سنته . ومثله
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً
« 3 » الآية .
يقال : إن السنة يؤخذ بها على أنها بيان لكتاب اللّه لقوله :
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
« 4 » وهو جمع بين الأدلة .
لأنا نقول : إن كانت السنة بيانا للكتاب ، ففي أحد قسميها . فالقسم الآخر زيادة على حكم الكتاب ، كتحريم نكاح المرأة على عمتها أو على خالتها . وتحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع .
وقيل « 5 » لعلي بن أبي طالب : هل عندكم كتاب ؟ قال : لا . إلا كتاب اللّه أو
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في سننه في : 39 - كتاب السنّة ، 5 - باب في لزوم السنة ، ح 4605 .
( 2 ) سورة النساء : الآية 59 .
( 3 ) سورة الأحزاب : الآية 36 .
( 4 ) سورة النحل : الآية 44 .
( 5 ) أخرجه البخاري في صحيحه في : 3 - كتاب العلم ، 39 - باب كتابة العلم .