الصحف عند أبي بكر ثم عند عمر بن الخطاب بعده ثم عند حفصة بنته في خلافة عثمان ، وانتشرت في خلال ذلك ، صحف في الآفاق كتبت عن الصحابة كمصحف ابن مسعود ، وما كتب عن الصحابة بالشام ، ومصحف أبى وغير ذلك ، وكان في ذلك اختلاف حسب السبعة الأحرف التي أنزل القرآن عليها ، فلما قدم حذيفة من غزوة أرمينية - حسبما قد ذكرناه - انتدب عثمان لجمع المصحف وأمر زيد « 1 » بن ثابت بجمعه ، وقرن بزيد - فيما ذكر البخاري - ثلاثة من قريش : سعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وعبد اللّه بن الزبير . وكذلك ذكر الترمذي وغيرهما وقال الطبري « 2 » : فيما روى أنه قرن بزيد أبان « 3 » بن سعيد بن العاص وحده ، وهذا ضعيف . وقال الطبري أيضا : إن الصحف التي كانت عند حفصة جعلت إماما في هذا الجمع الأخير . وروى أن عثمان رضى اللّه عنه قال لهم « 4 » : إذا اختلفتم في شيء فاجعلوه بلغة قريش . فاختلفوا في التابوة ، والتابوت قرأه زيد بن ثابت بالهاء والقرشيون بالتاء ، فأثبته بالتاء . وكتب المصحف على ما هو عليه غابر الدهر ، ونسخ عثمان منه نسخا ووجه بها إلى الآفاق ، وأمر بما سواها من المصاحف أن تحرق « 5 » أو تخرق « 6 » ، تروى بالحاء غير منقوطة ، وتروى بالخاء على معنى ثم تدفن ، ورواية الحاء غير منقوطة أحسن » « 7 » .
قال القرطبي في جمع القرآن ، وسبب كتب عثمان المصاحف وإحراقه ما سواها :
« كان القرآن في مدّة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم متفرقا في صدور الرجال ، وقد كتب الناس منه في صحف ، وفي جريد ، وفي لخاف ، وظرر ، وفي خزف وغير ذلك - قال الأصمعي : اللّخاف :
هامش
( 1 ) استصغر يوم بدر ، وشهد أحدا ، كتب الوحي للنبي ، وروى عنه جماعة منهم أبو هريرة توفى ( 45 ه ) الإصابة ج 3 ص 22 .
( 2 ) انظر تفسير الطبري ج 1 ص 21 .
( 3 ) له صحبة ، شهد بدرا مشركا ، أسلّم أيام خيبر ، وشهدها مع النبي . توفى ( 27 ه ) الإصابة ج 1 ص 10 .
( 4 ) عمدة القاري ج 20 ص 17 ، وتفسير الطبري ج 1 ص 21 .
( 5 ) وهي رواية المروزي . قال ابن بطال : في هذا الحديث جواز تحريق الكتب التي فيها اسم اللّه عز وجل بالنار وأن ذلك إكرام لها وصون عن وطئها بالأقدام . انظر عمدة القاري ج 20 ص 19 .
( 6 ) وهي رواية الأكثرين أي تدفن وهذا اتجاه الحنفية فيقولون : إن المصحف إذا بلى بحيث لا ينتفع به يدفن في مكان طاهر بعيد عن وطء الناس . انظر عمدة القاري ج 20 ص 19 .
( 7 ) المحرر الوجيز ج 1 ص 64 - 66 .