لكن الذين تذوّقوا جمال الأسلوب القرآني ، يرون أن هذه الشبهة باطلة ، ولو سقط المجاز من القرآن لسقط منه شطر الحسن ، مثل قوله تعالى :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ ، وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ ، فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً
« 1 » دلت القرينة على أن المعنى الحقيقي غير مراد ، وأن الآية تنهى عن كل من التبذير والبخل .
والكناية : « وهي لفظ أريد به لازم معناه » كثيرة أيضا في القرآن : لأنها من أبلغ الأساليب في الرمز والإيماء ، فاللّه تعالى رمز إلى الغاية من المعاشرة الزوجية ، وهي التناسل ، بلفظ ( الحرث ) في قوله :
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ، فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ
« 2 » ، ووصف اللّه للعلاقة بين الزوجين ، بما فيها من مخالطة وملابسة ، بأنها لباس من كل منهما للآخر ، في قوله :
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ ، وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ
« 3 » ورمز إلى الجماع بقوله سبحانه :
أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ
« 4 » وقوله :
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ
« 5 » . وكنى عن عفة النفس وطهارة الذيل بقوله تعالى :
وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ
« 6 » .
والتعريض : « وهو أن تذكر اللفظ وتستعمله في معناه ، وتلوّح به إلى ما ليس من معناه ، لا حقيقة ولا مجازا » مستعمل أيضا في القرآن ، مثاله :
وَقالُوا : لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ، قُلْ : نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا
« 7 » ليس المراد به ظاهر الكلام وهو ازدياد حر جهنم ، وكونه أشد من حر الدنيا ، ولكن الغرض الحقيقي هو التعريض بهؤلاء المتخلفين عن القتال ، المعتذرين بشدة الحر ، بأنهم سيردون جهنم ، ويجدون حرها الذي لا يوصف . ومنه قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم :
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا
« 8 » نسب الفعل إلى كبير الأصنام المتخذة آلهة ، لما يعلمون إذا نظروا بعقولهم ، من عجز كبيرها عن ذلك الفعل ، والإله لا يكون عاجزا ) « 9 » .
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : الآية 29 .
( 2 ) سورة البقرة : الآية 223 .
( 3 ) سورة البقرة : الآية 187 .
( 4 ) سورة البقرة : الآية 43 .
( 5 ) سورة البقرة : الآية 187 .
( 6 ) سورة المدثر : الآية 4 .
( 7 ) سورة التوبة : الآية 81 .
( 8 ) سورة الأنبياء : الآية 63 .
( 9 ) المنير - ج 1 ص 41 - 42 .