وهذا يصور لك مدى ما كان يموج به عصر الرازي من خلافات وفتن . .
ثم تميز هذا العصر من ناحية أخرى بالإقبال على الدراسات العلمية من المنطق والعلم الطبيعي والفلسفة ، وعلم ما وراء الطبيعة ، والهندسة والفلك والموسيقى ، بجانب الإقبال على الدراسات الدينية والعربية . .
كما تميز باعتزاز المعتزلة بمعرفة الفلسفة والمنطق ، وتعاليهم بها على غيرهم . .
وادعائهم بأن العالم المتمكن لا يكون كذلك ، إلا إذا جمع بين علوم الدين وهذه العلوم . وقد ظل المعتزلة مسيطرين بأفكارهم وإنتاجهم زمنا ، حتى شعر أهل السنة بما يشبه عقدة النقص ، فأقبلوا على هذه العلوم التي احتكرها المعتزلة وأضرابهم زمنا ، فاغترفوا منها ، لينازلوا المعتزلة ويكونوا أندادا لهم . .
وكان ممن اتجه هذا الاتجاه الإمام فخر الدين الرازي منذ شبابه . فتعلم على والده ، وكان من كبار علماء عصره وهو « ضياء الدين أبو القاسم الرازي » وكان فقيها أصوليا متكلما صوفيا خطيبا محدثا أديبا .
وأضاف إمامنا فخر الدين إلى ما أخذه عن والده علوم عصره ، من الفلسفة والمنطق وعلم الفلك والطبيعة على علمائها ، واستعان بذلك كله على خدمة دينه .
وتجلية معاني القرآن وأسراره بالطريقة التي رآها مناسبة لعصره . . حتى يبز المعتزلة وغيرهم فيما يدعونه - من أنهم خدمة الدين والقرآن . . والكاشفون عن معانيه وأسراره - ويلجمهم . .
؟ ؟ ؟ وضع ثقافته الاسلامية الواسعة المتنوعة في خدمة القرآن ، هادفا ؟ ؟ ؟ إلى أن يبرز ما فيه من الحكمة والمعرفة حسبما تفيده دراسة الفلسفة والكلام والعلوم الأخرى ، ولذلك كان يوغل في بيان معاني القرآن وما تدل عليه العبارات ، ولو سار شوطا بعيدا في العلوم التي يبرز بها هذه الناحية . .
وإنك لتجد صورة من هذا حين فسر قوله تعالى
« رَبِّ الْعالَمِينَ »
، واندفاعه ليبين العوالم المتعددة التي خلقها الله . . في السماوات وفي الأرض . . مما يخيل للقارئ أنه ابتعد كثيرا عن القرآن ، وهو لم يبتعد ، وإنما يفسر « العالمين » بما وقف عليه من علم ، يجلى به حكمة الله في مخلوقاته . .