إلى ظهر اللسان ؛ لئلا يحصل التغليظ المنافر للكسرة ؛ فحصل من هذا أنه لا دليل فيما ذكروا على أن أصل الراء المتحركة التغليظ .
وأما الراء الساكنة فوجدناها ترقق بعد الكسرة اللازمة بشرط ألا يقع بعدها حرف استعلاء نحو
الْفِرْدَوْسِ
، وتغلظ فيما سوى ذلك ، فأمكن أن يدعى أن تغليظها وترقيقها مرتبط بأسباب كالمتحركة ، ولم يثبت في ذلك دلالة على حكمها في نفسها .
فأما تغليظها بعد الكسرة العارضة في نحو
أَمِ ارْتابُوا
[ النور : 50 ] فيحتمل أن يكون ذلك ؛ لأن أصلها التغليظ كما قالوا ، ويحتمل أن يكون تغليظها إذ ذاك بالحمل على المضارع ، إذا قلت : « يرتاب » ؛ بناء على مذهب الكوفيين في أن صيغة الأمر « 1 » مقتطعة من المضارع ، أو بناء على مذهب البصريين في أن الأمر يشبهه المقتطع من المضارع ؛ فلم يعتد بما عرض لها من الكسرة في حال الأمر ، وعند ظهور هذا الاحتمال ، ضعف القول بأن أصلها التغليظ .
أما إن ثبت بالنقل عن العرب أنها ينطق بها ساكنة مغلظة بعد همزة الوصل في حكاية لفظ الحرف فتقول : « ار » كما تقول « أب » « ات » فحينئذ يمكن أن يحتج بذلك إن ثبت على أن أصلها التغليظ ، وكذلك إن ثبت أن الوقف على الأمر من « سرى » في كلام العرب بتغليظ الراء في قولك : « أسر » إذا لم ترم الكسرة .
وإذا تقرر هذا - فأقول : من زعم أن أصل الراء التغليظ ، إن كان يريد إثبات هذا الوصف للراء مطلقا من حيث إنها راء فلا دليل عليه ؛ لما تقدم .
وإن كان يريد بذلك الراء المتحركة بالفتح أو بالضم ، وأنها لما عرض لها التحريك بإحدى الحركتين قويت بذلك على الفتح فلزمته فلا يجوز ترقيقها إذ ذاك ، إلا إن وجد سبب وحينئذ يتصور فيها رعى السبب فترقق ، ورفضه ، فتبقى على ما استحقته من الفتح بسبب حركتها - فهذا كلام حسن مناسب ، والله تبارك وتعالى أعلم بالحقائق .
فإذا تقرر هذا : فاعلم أن الراءات في مذهب القراء ثلاثة أقسام :
قسم اتفقوا على تفخيمه .
وقسم اتفقوا على ترقيقه .
وقسم اختلفوا فيه : فرققه ورش وحده ، وفخمه الباقون .
هامش
( 1 ) كذا ، ولا يتفق تعليله هذا مع المثال ؛ لأنه ماض .