كلام الزركشي في ماهية وأهمية القاعدة
ولقد أجاد بدر الدين الزركشي في بيان ماهية هذه القاعدة وفائدتها وأهمّيتها ، وعبّر عنها بعلم المناسبة .
فإنّه قال : « واعلم أنّ المناسبة علم شريف تحرز به العقول ويعرف به قدر القائل فيما يقول : . . .
وفائدته : جعل أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض ، فيقوى بذلك الارتباط ، ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم ، المتلائم الأجزاء . وقد قلّ اعتناء المفسّرين بهذا النوع ؛ لدقته .
وممّن أكثر منه الإمام فخر الدين الرازي وقال في تفسيره :
أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط .
وقال بعض الأئمّة : من محاسن الكلام أن يرتبط بعضه ببعض ، لئلا يكون منقطعا . وهذا النوع يهمله بعض المفسرين ، أو كثير منهم ، وفوائده غزيرة .
قال القاضي أبو بكر بن العربي في « سراج المريدين » :
ارتباط آي القرآن بعضها ببعض - حتى تكون كالكلمة الواحدة ، متسقة المعاني ، منتظمة المباني - علم عظيم ، لم يتعرّض له ، إلّا عالم واحد . . .
وقال الشيخ أبو الحسن الشهراباني : أوّل من أظهر ببغداد علم المناسبة - ولم نكن سمعناه من غيره - ، هو الشيخ الإمام أبو بكر النيسابوري ؛ وكان غزير العلم في الشريعة والأدب ، وكان يقول - على الكرسي إذا قرئ عليه الآية - :
لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه ؟ وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة ؟ وكان يزري على علماء بغداد لعدم علمهم بالمناسبة . انتهى .
قال بعض مشايخنا المحققين : قد وهم من قال : لا يطلب للآي الكريمة مناسبة ؛ لأنّها على حسب الوقائع المتفرقة .