وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ
« 1 » ولم يكن فيها خبر عن اللّه تعالى ، وجاءت الآية التي هي
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ
وفيها إخبار عن اللّه ، فكان بناؤها على الآية التي قبلها أولى ، كما كان في الآية التي في سورة آل عمران يقتضي بناؤها على الآية التي قبلها العدول عن لفظ الإضمار إلى لفظ الإظهار ، ثم كان لفظ الصريح في معناه احتجاجا عليهم ، كما كان في اللفظ الذي عدل إليه في الآيتين المتقدمتين من قوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ
وقوله :
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ
.
المسألة الرابعة في الآية الثالثة هي أنه قال :
كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ
ولم يقل بآيتنا كما قال في الأولى ، ولا بايت الله كما قال في الثانية .
الجواب أن يقال : لما أخبر عن نعمته على عباده ، وأن منهم من يغيرها بعصيانه ، فيستحق بذلك تغيير النعمة عليه ، وهو معنى قوله :
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
« 2 » والمنعم على عباده ربهم ؛ لأنهم مربون بنعمه ، كان القصد في هذه الآية إلى ذكر تنعيمهم في الدنيا ، وتغيير النعمة عليهم فيها ، إذ لم يقوموا بحقها بعقاب من عقاب الدنيا مثله بما يفعله بعض الناس ببعض ، فكذلك قال :
فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ
فكأنه قال : كذبوا بآيات من أقام نفوسهم شواهد لربوبيته بتربيته إياهم بصنوف نعمته ، ونقل الوليد عن أولى حاليه إلى غيرها مما يبلغ به غاية قوته ، وسأشرح ذلك في جواب .
المسألة الخامسة : وهي السؤال عن فائدة التكرار في سورة الأنفال في موضعين لا يحجز بينهما إلا آية واحدة ، وهذه المسألة قد أجاب عنها بعض أهل النظر بأن قال :
أخبر اللّه تعالى عن إجراء العادة فيهم بنوعين من العذاب مختلفين ، وإذا كان كذلك لم يكن تكرارا ؛ لأنه ذكر في الآية الأولى عقوبته إياهم عند الموت في البشارة التي أتتهم بعذاب الحريق ، وأنه فعل بهم ذلك كما فعله بآل فرعون ، ومن كان قبلهم من الكفار ، ثم ذكر في الثانية ما يفعله بهم من شدة عقابه بعد الموت كما فعله بآل فرعون ، ومن كان قبلهم من الكفار ، وما أجرى عليه العادة في تعذيبه إياهم بعد الموت في القبور وفي غيرها .
الجواب عندي أنه أخبر في الأولى عما عاقبهم به من العذاب الذي لم يملك
هامش
( 1 ) سورة : الأنفال ، الآية : 50 .
( 2 ) سورة : الأنفال ، الآية : 53 .