114 - سورة الناس
للسائل أن يسأل : عن تكرير : ( الناس ) في قوله في فواصل هذه السورة في خمسة مواضع ، وهي ست آيات قد ختمت أواخر خمس منها بالناس ، وواحدة بالخنّاس .
الجواب عن ذلك : أن يقال : إنما اتّصف اللّه تعالى أولا :
بِرَبِّ النَّاسِ
« 1 » ثم :
ب
مَلِكِ النَّاسِ
« 2 » ، ثم : ب
إِلهِ النَّاسِ
« 3 » ، لحكمة دعت إلى ذلك ، أوجبت تقديم الأول وتعقيبه بالثاني والثالث على الترتيب الذي جاء ؛ لأن رب الشيء هو القائم بإصلاحه وتدبير أمره ، فنبّه بتقديمه على ما ترتّب من نعمه على الإنسان لما أنشأه ورباه ، وهذه أولى أحواله ، والثانية : إنعامه عليه بالعقل الذي ثبتت عليه ملكته له ، فعلم أنه عبد مملوك ، وأن الذي بلغ به تلك الحال من حد الطفولية هو الذي يملكه وأمثاله ، فجعل الوصف الثاني :
مَلِكِ النَّاسِ
ولما كان بعد ذلك تكليف العبادات التي هي حق اللّه تعالى على من عرّفه نفسه أنه عبد مملوك ، وعرفه أنه عز وجلّ خالقه ، وتلزمه طاعته ليلتزم غاية التذلل لمن له أكبر الإنعام والتطوّل جعل الوصف الثالث :
إِلهِ النَّاسِ
فصار :
( الناس ) الذين أضيف إليهم : ( رب ) كأنهم غير : ( الناس ) الذين أضيف إليهم :
( ملك ) والذين أضيف إليهم ( ملك ) غير الذين أضيف إليهم ( إله ) وإذا أريد بالثاني غير الأول ، لم يكن تكرارا ؛ بل يكون كأنه قال : قل أعوذ برب الأجنة والأطفال ، الذين ربهم ورباهم وقت الإنشاء والتربية ، وحين لم يقدر آباؤهم لهم على التغذية ، وبمن بلغ بالوالدين حدا عرفوه فيه بالملكة وأنفسهم بالعبودية ، ثم إله المكلفين المعرضين لأكبر النعم ، وهم الذين بلغوا وقاموا بأداء ما كلفوا ، فترتيب الصفات تنبيه على أن المراد بالناس ذوو الأحوال المختلفة في الصغر والترعرع والبلوغ ، فسلم على ذلك من التكرار ، ويتضمن هذا المعنى اللطيف الذي دل عليه ترتيب الصفات تعالى اللّه وكلامه عن المعاب ، وقوله :
الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ
« 4 » فالمراد بالناس الأول : الأبرار ، وبالناس
هامش
( 1 ) سورة : الناس ، الآية : 1 .
( 3 ) سورة : الناس ، الآية : 3 .
( 2 ) سورة : الناس ، الآية : 2 .
( 4 ) سورة : الناس ، الآية : 5 .