والتين « 1 » :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
.
للسائل أن يسأل : عن اختلاف ما بعد
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ
في الموضعين ؟
وصلة الأول بقوله :
فِي كَبَدٍ
والثاني بقوله :
فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
؟ .
الجواب أن يقال : قوله :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ
أقوال ، أولها : في شدة ونصب يكابد أمر الدنيا وأمر الآخرة ، والثاني : في انتصاب قامته ، وسائر الحيوان كالمنكب على وجهه غير منتصب ، والثالث : هو مخلوق في شدة أمر تكوّنه ، أولا في الرحم في ظلمات ثلاث ، ثم ينتقل إلى القماط والرباط ، ثم عند البلوغ على الخطر العظيم مما يقوده إليه عمله من جنة أو نار ، فالدنيا له دار كد ومشقة ، والآخرة له دار راحة ونعمة إن وافاها بما كلف من طاعته ، والرابع : أنه خلق في بطن أمه ورأسه قبل رأسها منتصبا كانتصابها ، فإذا أرادت الولادة ، انقلب الرأس إلى أسفل فيخرج رأسه قبل رجليه ، وقد تخرج رجلاه قبل رأسه ، وذلك نادر ، والأول عام شائع ، فهذه الأوجه الأربعة تعمّ جميع الناس لا يستثنى أحد منهم ، ثم خص بعض الكفار بالذكر عن هذا العموم ، فقال :
أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ
« 2 » فلما تقدم القسم بوالد وما ولد ، وفيه قولان : أحدهما : آدم وولده ، والقول الثاني : كل والد وكل مولود ، قرن إلى القسم العام بما يشبهه من الجواب العام ، وأما قوله :
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ
« 3 » فقد قيل فيهما : إن التين : دمشق ، والزيتون : بيت المقدس ، وقيل : جبل عليه دمشق ، وجبل عليه بيت المقدس ، وقيل : مسجدان ، فالتين :
مسجد نوح عليه السّلام ، والزيتون : مسجد دمشق ، وقيل : التين : الذي يؤكل ، والزيتون : الذي يعصر ، فالقسم واقع بأشياء مخصوصة من بقاع أو غيرها ، فعلق بجواب وقع فيه تخصيص بالاستثناء ، وهو :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
« 4 » ؛ أي : خلقناه في أحسن صورة ثم رددناه ، يعني : الكافر إلى أقبح صورة ، حين حط من الخلق الأول إلى المحط الأسفل ، فصار في أوحش منظر بعد أن كان في أحسن صورة ، وقيل :
فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
، أي : في خلقة قويمة ، ودلالة على طريقة مستقيمة
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
إلى أرذل العمر ، وهو : الضعف الذي يفقد معه العلم ، ولا يملك فيه إقامة الطاعات والثبات على العبادات إلا المؤمنين ، فإنهم يوفون أوقات العبادات التي كانوا يقيمونها إذا لم يقدروا مع الضعف الذي نقلهم اللّه إليه أجرهم ، يدل على ذلك قوله :
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
وإذا كان
هامش
( 1 ) سورة : التين ، الآية : 4 .
( 3 ) سورة : التين ، الآية : 1 .
( 2 ) سورة : البلد ، الآية : 5 .
( 4 ) سورة : التين ، الآيات : 4 - 6 .