تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
الجواب : المختصر المشار به إلى الفرق بين الموضعين في :
عَلى
و
إِلى
أن أول الآية التي اختصت بها على
قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ
وأول الآية التي اختصت بها إلى
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ
وشرح ذلك أن « على » موضوعة لكون الشيء فوق الشيء ومجيئه من علو ، فهو مختص من الجهات الست كلها بجهة واحدة ، و « إلى » للمنتهى ، ويكون المنتهى من الجهات الست كلها ، فإن توجه نحو الشيء شيء من عن يمينه أو عن شماله أو قدامه أو من ورائه أو من فوقه أو من تحته ، فإنه إذا بلغه يقال فيه : انتهى إليه فلا يتخصص « إلى » بجهة واحدة كما يتخصص « على » ، فقوله تعالى :
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ
اختيرت فيها « إلى » ؛ لأنها مصدرة بخطاب المسلمين ، فوجب أن يختار له « إلى » ، ثم جعل ما عطف عليه على لفظه بحق الاتباع ، وإن صح فيه معنى الانتهاء فالمؤمنون لم ينزل الوحي في الحقيقة عليهم من السماء ، وإنما أنزل على الأنبياء ، ثم انتهى من عندهم إليهم ، فلما كان
قُولُوا
خطابا لغير الأنبياء ، وكان لأممهم كان اختيار
إِلى
أولى من اختيار
عَلى
ولما كانت في سورة آل عمران قد صدرت الآية بما هو خطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم وهو قوله :
قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا
كانت
عَلى
أحق بهذا المكان ؛ لأن الوحي أنزل عليه ، وفي لفظ
أُنْزِلَ
دلالة على انفصال الشيء من فوق ثم انتهى من عندهم إليهم أسفل وأن يقرب إليه ما يشاء كله فيما يستحقه من المعنى أولى ، وإن كان القرآن قد نطق بجميع ذلك في الأنبياء وفي غيرهم كقوله عز وجلّ :
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ
« 1 » و
أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ
« 2 » وقال في موضع آخر :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ
« 3 » فالمنزل على الأنبياء منته إليهم ، فلذلك صحت « إلى » ، إلا أن على أصلها - إذا قصد الإيضاح بالمعنى - أن تستعمل فيمن نزل الوحي عليه ، وشركة الأمة في اللفظ مجاز لا حقيقة ، و « إلى » في ذكر الإنزال المتعلق بأمم الأنبياء صلوات اللّه عليهم وسلامه أشبه بحقيقة معناها « من على » ، فلذلك خصنا في الموضعين باللفظين المختلفين ، وجعل ما بعدهما يجري مجراهما كما يجب في حكم الاتباع . وأما الموضع الثاني الذي أعيد فيه لفظة
أُوتِيَ
من سورة البقرة ، ولم يعد فيما بإزائها من سورة آل عمران . الجواب عنه أن يقال : إنما اختص هناك ؛ لأن العشر التي فيها مصدرة بقوله :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ
« 4 » فقدم ذكر إيتاء الكتاب واكتفى به عن التكرير في الموضع الذي كرر فيه من سورة البقرة على سبيل
هامش
( 1 ) سورة : آل عمران ، الآية : 3 . ( 3 ) سورة : المائدة ، الآية : 48 . ( 2 ) سورة : آل عمران ، الآية : 7 . ( 4 ) سورة : آل عمران ، الآية : 81 .
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 28 | محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي