الجواب : عن السؤال الأول وذكر فائدة الآية مع وضوح معناها لكل ذي معرفة فمن وجهين :
أحدهما : أن يكون مثل هذا الكلام يقال : وإن كان معلوما للإنسان على سبيل التنبيه على العصيان ، والبراءة إليه من فعله ، وأنه هو المؤاخذ به من دون غيره فيخرج الكلام على حد من المعدلة والنصفة لا مذهب لأحد عنه ، ويكون هذا أدعى له إلى التأمل والتدبر وأقرب إليه من التبصر كما قال تعالى لنبيه عليه السّلام :
وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
« 1 » فهذا أيضا معلوم إلا أنه على سبيل تخليتهم مع النظر لأنفسهم ، والتبرّي مما يعود بسوء العاقبة عليهم . وعلى هذا الحد لكم دينكم ولي دين وهذا كثير والقصد به مفيد كما بينا .
والوجه الثاني : من الجواب عن السؤال الأول أن يقال : إن هذه الآية تبكيت للمعاندين من أهل الكتاب الذين ادعوا أن لزوم دينهم وشريعتهم مما أوجبه الأنبياء صلوات اللّه عليهم وسلامه على سلفهم وخلفهم ، فاحتج عليهم بأن ما يدّعونه لا يقدرون فيه على أن يقولوا أنهم سمعوا ذلك منهم مشاهدة لقوله تعالى :
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي
« 2 » على معنى : لم يكونوا شهداء ، فإذا لم يثبت ذلك عندهم بمشاهدة ينقطع العذر وتلزم الحجة ؛ لأن تلك الأمة قد خلت وانقضت وأدّت عن اللّه ما تحملت ، وهو أن تكون التوراة قد أخبرت بمجيء عيسى عليه السّلام ومجيء النبي صلى اللّه عليه وسلم من بعده ، فلها الأجر في صحة أدائها وإظهارها ما أخذ اللّه به الميثاق عليها في قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ
« 3 » ومعنى قوله :
وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ
إثم ما كسبتم لما نبذتم ذلك وراء ظهوركم واشتريتم به ثمنا قليلا فهذا معنى قوله :
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ
فتبين لك أنهم إذا لم يعلموا ما يدّعونه من طريق المشاهدة ، لم يبق إلا أن يعلموه بخبر مخبر ، والمخبر الذي بينهم وبين تلك الأمة ممن يجوز عليه الكذب ، وهذا خبر اللّه تعالى وهو الخبر الذي لا يكذب نبيه على ذلك بقوله عند الانتهاء :
هامش
( 1 ) سورة : يونس ، الآية : 41 .
( 2 ) سورة : البقرة ، الآية : 133 .
( 3 ) سورة : آل عمران ، الآية : 187 .