هذا اليوم من الأيام الحارة ، وكذلك تقول : كانت الليلة ليلة باردة ، فتنصب ليلة على أنها خبر كان ، وحكم الخبر أن يتم به الكلام ، ولو قلت : كانت الليلة ليلة لم يكن الكلام تاما ؛ لأن القصد إلى الصفة دون الموصوف ، فكذلك قوله :
رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً
يجوز أن يكون المراد :
اجْعَلْ هَذَا
البلد
بَلَداً آمِناً
فتدعو له بالأمن بعد ما قد صار بلدا على ما مثلنا ، ويكون مثل قوله :
اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً
وتكون الدعوة واحدة قد أخبر اللّه عنها في الموضعين . فأما قول من يقول : إنه جعل الأول نكرة ، فلما أعيد ذكرها أعيد بلفظ المعرفة كما تقول : رأيت رجلا فأكرمت الرجل فليس بشيء ، وليس ما ذكره مثلا لهذا ، ولا هذا المكان مكانه .
الآية الحادية عشرة
من هذه السورة مفارقة الآي التي شرطنا الفرق بينها ، فيما خالفها بلفظ يسير من الآية التي بإزائها غير أنها مثلها في التكرير والحاجة إلى ذكر الفائدة في إعادتها وهي قوله تعالى :
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
« 1 » .
للسائل في ذلك سؤالان :
أحدهما : أن تقول : ما فائدة الآية وهي خبر يعلمه المخاطب قبل أن يخبر به ، فلا يستفيد بذكره ما لم يكن علمه قبل ؛ لأنه يعلم أن الأمة التي وصاها يعقوب عليه السّلام قد مضت وانقضت ولها ما كسبت من أجر ، وعليها ما اكتسبت من إثم ، وأن المخاطبين يؤاخذون بعملهم لا بعمل غيرهم ، ولا يسألون عما عمله من تقدمهم . وإذا كان معنى الآية هذا فهو معلوم لكل مميز لا يحتاج إلى استفادته بإخبار مخبر .
والسؤال الثاني : هو عن تكرار هذه الآية ؛ لأنها ذكرت في صدر العشر المفتتحة بقوله تعالى :
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ
« 2 » ثم أعيدت في خاتمة هذه العشر التي تنقطع إلى قوله :
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها
« 3 » .
هامش
( 1 ) سورة : البقرة ، الآيتان : 134 ، 141 .
( 2 ) سورة : البقرة ، الآية : 131 .
( 3 ) سورة : البقرة ، الآية : 142 .