تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
للسائل أن يسأل : عن الأمر والنكر ، وهل كان يصلح أحدهما في موضع الآخر أم لكل واحد معنى يخصصه بمكانه ؟ . الجواب أن يقال : قيل في الأمر : إنه الداهية وقيل : إنه العجب ، والنكر : ما تنكره العقول ولا تعرفه ولا تجوزه ، وروي عن قتادة أنه قال : النكر أعظم من الأمر ؛ لأن الأمر إن حمل على الداهية ، فهي التي تدهى الإنسان مما لم يخشه ، فيحترز من وقوعه ، والعجب قد يكون غير منكر ، والنكر لا يستعمل إلا في المذموم الذي يخرج عن المعروف في العقل أو الدين ، فاختص الأول بالأمر ؛ لأن خرق السفينة التي لم يغرق فيها أحد أهون من قتل الغلام الذي قد هلك ، وقيل : الأمر أعظم من النكر ؛ لأن تغريق عدد من في السفينة أنكر من قتل نفس واحدة ، وليس كذلك ؛ لأن الغرق لم يقع والقتل قد حصل .

الآية الخامسة من سورة الكهف

قوله تعالى في الحكاية عن الخضر عليه السّلام بعد قوله :
لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً
أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
« 1 » وبعد قوله :
لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً
أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
« 2 » . للسائل أن يسأل عن زيادة لك في الثانية وإخلاء الأولى منها . الجواب أن يقال : إنه في الأولى لما قرر موسى صلّى اللّه عليه وسلم ، وذكره ما كان قد قدم القول فيه : من أن الصبر على ما يشاهده منه يثقل عليه فقال :
أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
وهذا معناه في غالب ظني : أنك تعجز عن احتمال ما ترى ، حتى تبادر إلى الإنكار ، فلما رأى قتل الغلام ، وعاد إلى الإنكار أكد التقرير الثاني بقوله :
لَكَ
كما يقول القائل : لك أقول وإياك أعني فيقدم لك وإياك ، ولو قال : أقول لك وأعنيك بكلامي لاستويا في المعنى إلا في تأكيد الخطاب بالتقديم ، فكأنه قال : ألم يكن خطابي لك دون من سواك ؟ وهذا وجب في الثاني لا في الأول الذي لم تتأكد حجة الخضر فيه عليه السّلام كتأكدها في الثانية .

الآية السادسة من سورة الكهف

قوله تعالى :
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً
« 3 » .
هامش
( 1 ) سورة : الكهف ، الآية : 72 . ( 3 ) سورة : الكهف ، الآية : 97 . ( 2 ) سورة : الكهف ، الآية : 75 .
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 199 | محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي