وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
« 1 » وقال في سورة الملائكة « 2 » :
وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
.
للسائل أن يسأل : فيقول : أية فائدة خصت في الآية الأولى أن تقدم فيها :
مَواخِرَ
على قوله :
فِيهِ
وأن تدخل فيه الواو على :
وَلِتَبْتَغُوا
وأية فائدة خصت في الآية الثانية من سورة الملائكة أن يقدم فيها قوله :
فِيهِ
على :
مَواخِرَ
، وأن تحذف الواو من قوله :
لِتَبْتَغُوا
.
الجواب أن يقال : لما ذكر اللّه تعالى في سورة النحل النعم التي سخر البحر من أجلها فقال :
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ
لكذا وكذا فعد جملا ثلاثا من نيل سمكه ، واستخراج حليه وطلب فضله بركوبه . كان وجه الكلام : أن يعطف الثالثة على ما قبلها بالواو ، ولأن نعمة التسخير نظمها مع ما تقدمها والمشتركات في فعل حقها أن يعطف بعضها على بعض لتستوي في تعلقها به ، واجتماعها فيه ، فلما ذكر النعمتين في قوله :
لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها
احتاج ذكر النعمة الثالثة في عطفها على ما تقدم إلى وصف ما عليه البحر مما وطأه اللّه منه ليتمكن منه من الثالثة ، وهي ما يطلب من فضل اللّه تعالى بأنواع التجارات في البحر ، ونقل الأمتعة فيه من مصر إلى مصر إلى سائر ما علق به مصالح الخلق من الأودية المفترقة على وجه الأرض فقال :
وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ
؛ لأن الابتغاء من فضل اللّه بتسهيل السير فيه ولا سبيل إليه إلا بالفلك وسيرها بشق الماء يمينا وشمالا لتجري إلى الجهة المقصودة ، وليس قوله :
وَتَرَى الْفُلْكَ
عطفا على « تستخرجون منه » ؛ لأنه خطاب واحد وما قبله وما بعده خطاب جمع فهو مباين لهما في ذلك وفي العامل والإعراب ، ولهذه اللفظة اختصاص إذا استعملت يقصد بها كون الشيء على تلك الصفة التي إذا استعمله طالب رآه عليها ، وليس الضمير لواحد مخصوص معين دون غيره لكنه كقوله : يا أيها الرجل وكلكم ذلك الرجل ، وكما ترى العراقي أرق طبعا من الجبلي وترى البصري أفصح من الواسطي وكما قال الشاعر :
ترى الرجل النحيف فتزدريه * وفي أثوابه أسد هصور
هامش
( 1 ) سورة : النحل ، الآية : 14 .
( 2 ) الآية : 12 .