تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
شيء واحد هو أمها ، وهي الأرض ، ولذلك قدم الإنعام بالزرع والثمار لعلم الخاصة والعامة بما فيها من قرب النفع وامتساك الخلق ، ثم عقب ذلك بما هو أصله من الهواء ، وماء السماء والكواكب التي جعلها قواما لتربية ما به ثبات البرية ، فلما صرف العقول إلى ما نصب من الأمارات في أصناف ما بثه في البر أتبعه بما سخر له من البحر . مسألة ثانية في هذه الآيات . . فإن قال قائل : فلم قال في الأولى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
وقال في الثانية :
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
وفي الثالثة :
لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
. الجواب : أن التفكر أعمال النظر لتطلب فائدة ، وهذه المخلوقات التي تنجم من الأرض إذا فكر فيها علم أن معظمها ليس إلا للأكل ، وإن الأكل به قوام ذي الروح ، وإن المنعم عليه يحتاج أن يعرف المنعم به ليقصده بشكر إحسانه ، فهذا موضع تفكر بعث الناس عليه ليفضي بهم إلى المطلوب منهم ، وأما تعقيب ذكر الليل والنهار وما سخر في الهواء من الأنواء بقوله :
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
فلأن متدبر ذلك أعلى رتبة من متدبر ما تقدم إذ كانت المنافع المجعولة فيها أخفى وأغمض ، فمن استدرك الآيات فيها استحق الوصف بما هو أعلى من رتبة المتفكر المتدبر ؛ لأنه المنزلة الثانية التي تؤدي إليها الفكرة ، وهو أن يعقل مطلوبه منها ويدرك فائدته منها . . وأما الآية الثالثة وهي :
لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
فلأنه لما نبه في الأوليين على إثبات الصانع نبه في الثالثة على أنه لا شبه له مما صنع ؛ لأن من رأى المخلوقات أصنافا مزدوجة مؤتلفة أو مختلفة نفى عنه صفاتها ، وعلم أن خالقها يخالفها ، لا يشبهها ولا تشبهه ، وقال في سورة ق « 1 » :
وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ
أي : فعلنا ذلك لنبصركم ولنريكم آياتنا ولنذكركم بازدواجها مخالفة صانعها كما قال :
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
« 2 » فيعلم بعد العلم بما تقدم أنه لا صاحبة له ولا ولد ولا شبه له فيما أنشأ وبرأ إذا تذكر حاله فيما اتفق فيه واختلف .

الآية الثانية من سورة النحل

قوله تعالى :
هامش
( 1 ) الآيتان : 7 - 8 . ( 2 ) سورة : الذاريات ، الآية : 49 .
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 182 | محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي