تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
الإعجاز المحدثين إلا صبحي الصالح « 1 » الذي يقول بالترادف ، أما القدامى فقد لفتت نظرهم هذه الفروق في دراستهم للبيان القرآني ، فوصلتنا نظرات متفرقة وكتب وافية . ومن المحدثين من وقف على الآية الثانية التي نستدل بها على دعوة القرآن إلى عدم الترادف ، وهي قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا ، وَقُولُوا انْظُرْنا
« 2 » . فأدلى برأي الترادف وهو يحسب أن القرآن « كفى شر استعمال هذه المفردة عندما انطلقت من ألسنة سفهاء اليهود ، وأرشدهم إلى مرادف لها في « تمام الدلالة » لأنهم اقتربوا بها من معنى الرّعونة » « 3 » . ولا شك أنه دلّهم على لفظة أخرى ، ومعنى آخر ، وفي هذا يقول أبو السّعود : « المراعاة المبالغة في الرعي ، وهو حفظ الغير ، وتدبير أموره ، أي راقبنا وانتظرنا ، وتأنّ بنا حتى نفهم كلامك ونحفظه ، وكانت لليهود كلمة عبرانية أو سريانية يتسابّون بها فيما بينهم ، وهي كلمة ( راعينا ) ، قيل معناها اسمع لا سمعت ، فلما سمعوا بقول المؤمنين ذلك افترصوه ، واتخذوه ذريعة إلى انتقاص النبي صلى اللّه عليه وسلم بتلك المسبّة ، أو نسبته إلى الرّعن ، وهو الحمق والهوج » « 4 » . نستنتج أن الكلمة المرادفة ، هي أقرب الكلمات من حيث اشتراك المعنى في بعض أجزائه ، ولا تعني المطابقة تماما ، واللغة لا تقدّم كلمة أخرى في المعنى نفسه إلا إذا حصل تغيّر ، طفيفا كان أو كبيرا في المعنى المطلوب .
هامش
( 1 ) الصالح د . صبحي ، 1962 ، دراسات في فقه اللغة ، ط / 2 المكتبة الأهلية ، بيروت ص / 347 وما بعدها . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 104 . ( 3 ) قطب ، سيّد ، 1982 ، في ظلال القرآن ، ط / 8 دار الشروق ، بيروت ، مج / 1 : 1 / 100 . ( 4 ) أبو السعود ، إرشاد العقل السليم ، مج / 1 : 1 / 141 ، الرّعن : سوء المنطق ، والهوج : اضطراب وطيش . وكلمة ( روع ) : معناها في اللغة العبرية سيّئ ، و ( راعينا ) : سيّئنا ، وليست سريانية .
جماليات المفردة القرآنية — صفحة 59 | احمد ياسوف