تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
تماما خصوصا إذا أمعنّا النظر في سياق كلامهم ، فنجد عبارة « لمجرد مراعاة الفواصل » ، فهم على يقين بانسجام الشكل والمضمون ، إلا أنهم يقدّمون المضمون على الشكل .

- مناسبة الفاصلة لما قبلها :

غايتنا هنا البحث عن العلائق المعنوية التي تربط مفردة الفاصلة بما يسبقها من كلام ، وهذا ما يمكن أن يسمى مراعاة النظير ، فتكون المفردة تتويجا لما يسبقها ، بحيث تناسب فحوى المعنى الوارد . لقد بذل الخطيب الإسكافي جهدا كبيرا في المتشابهات في اللفظ ، وذلك في كتابه « درّة التنزيل » الذي عني فيه بالآيات المتشابهات ، قال تعالى :
يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ، وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
« 1 » . ففي تذييل الآية الأولى نجد كلمة الفاصلة « يتفكّرون » وفي تذييل الثانية كلمة « يعقلون » وفي تذييل الآية الثالثة « يذّكّرون » ، يقول الخطيب الإسكافي في هذا التنوع : « إن التفكير إعمال النظر ، لتطلّب فائدة ، وهذه المخلوقات التي تنجم من الأرض إذا فكّر فيها علم أن معظمها ليس إلا للأكل . . فهذا موضع تفكّر بعث الناس عليه ، ليفضي بهم إلى المطلوب منهم ، وأما تعقيب ذكر الليل والنهار ، وما سخّر في الهواء من الأنواء بقوله
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
فلأن متدبّر ذلك أعلى رتبة من متدبّر ما تقدم ، إذ كانت المنافع المجعولة فيها أخفى وأغمض . . وأما الآية الثالثة وهي
لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
فلأنه لما نبّه في الأوّلين على إثبات الصانع ، نبّه في الثالثة على أنه لا شبه له مما صنع » « 2 » . لقد دلّ على تماسك كلمات القرآن ، وربط معنى الفاصلة بالآية ، بل إنه دلّ على ارتباط « يذكرون » بتنزيه الخالق كما ورد في أول السورة :
سُبْحانَهُ
هامش
( 1 ) سورة النّحل ، الآيات : 11 - 13 ، ذرأ : خلق . ( 2 ) الإسكافي ، محمد بن عبد الله ، درّة التنزيل وغرّة التأويل ، ص / 258 - 259 .
جماليات المفردة القرآنية — صفحة 317 | احمد ياسوف