تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
والحديث عن الفاصلة قديم قدم الدراسات الأدبية للقرآن ، فقد أكّد الرماني في تعريفه الأدبي للفاصلة سموّها واختلافها عن الأسجاع ، وقال : « الفواصل حروف متشابكة في المقاطع ، توجب حسن إفهام المعاني ، والفواصل بلاغة ، والأسجاع عيب ، ذلك لأن الفواصل تابعة للمعاني ، وأما الأسجاع فالمعاني تابعة لها » « 1 » . والرماني يرى أن التعلق الشكلي المتعيّن في مماثلة الأصوات في الرّويّ يدعو إلى التكلّف المستهجن ، وهذا مستفاد من أصل تسمية الأسجاع ، فسجع الحمام يعني ترديد الصوت نفسه ، وكذلك السّجع في فنّ النثر ، وكأنّ الرماني يلمّح إلى وجود فواصل متقاربة الروي في القرآن ، فبناء الفواصل ينطوي غالبا على المغايرة والتنويع ، مراعاة للمعاني ، وهذه الفضيلة تبعد السّجع عن أسلوب القرآن . ومن الذين تحمّسوا قديما لقضية نفي السجع أبو بكر الباقلاني ، وهو يقوم بهذا الردّ جاهدا في ربط المفردة الأخيرة من الآية بسياق المعنى الكلي ، يقول : « ولو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب كلامهم ، ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز ، ولو جاز أن يقال : هو سجع معجز ، لجاز لهم أن يقولوا : شعر معجز ، وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب ، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجّة من نفي الشعر ، لأن الكهانة تنافي النّبوّات ، وليس كذلك الشعر » « 2 » . فهو بعد هذا الرد المنطقي يذكر شواهد من مثل تقديم موسى على هارون في موضع ، وهارون على موسى في موضع آخر . ونقف عند نقطتين في عبارة الباقلاني ، الأولى : أن كلامه يوحي بأن جميع القرآن متّهم بالسجع ، وإذا كان السجع مماثلة في الرويّ ، فقد وقع في القليل منه ، وإذ استقلّت الفواصل المتماثلة بإحدى عشرة من السّور القصار وهي : القمر والقدر والعصر والكوثر والأعلى ، والليل والشمس والمنافقون والفيل والإخلاص والنّاس .
هامش
( 1 ) الرماني ، علي بن عيسى ، ثلاث رسائل في الإعجاز ، ص / 89 . ( 2 ) الباقلّاني ، أبو بكر ، محمد بن الطيب ، إعجاز القرآن ، ص / 86 .
جماليات المفردة القرآنية — صفحة 310 | احمد ياسوف