تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
ما يكون « 1 » . فقد اكتفى البيان القرآني بالهمّة والقصد ، فما قرأنا انكشاف صدر ، أو نزع ثياب ، أو تأوّهات ، كما هي الحال في كثير من الأدب الروائي ، مما يثير الغرائز الحيوانية ، ويستفزّ النوازع المريضة . وضّح القدامى هذه الجمالية في معرض حديثهم عن الأسلوب الكنائي في القرآن ، ونحن إذا قلّبنا صفحات كتبهم ، وطالعنا أبواب الكناية نجد الشواهد الرائعة التي دلّت على ذوق وتدبّر . وعلى سبيل المثال لا الحصر نورد شاهدا يذكره الزّركشي في باب الكناية ، وقد نقله السيوطي في باب الكناية أيضا مع غيره من الشواهد التي ذكرها سلفه ، ولتوضيح هذا نذكر من الوقفات التي تفرد بها الزركشي ما كان في تأمل الآية :
فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ
« 2 » ، إذ يقول : ومن عادة القرآن العظيم الكناية عن الجماع باللّمس والملامسة والرّفث ، والدخول والنكاح ونحوهن ، فكنى بالمباشرة عن الجماع ، لما فيه من التقاء البشرتين » « 3 » . فكأن الكناية هنا استلزمت أخذ جزء بسيط من المكنّى عنه ، ونجد أن الزركشي يعوّل على الأصل اللغوي ، ونظير ما جاء في تفسيره لمعنى الفرج ، إذ يقول حول الآيتين :
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها
« 4 » ، و
الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ
« 5 » : « أخطأ من توهّم هنا الفرج الحقيقي ، وإنما هو من لطيف الكنايات وأحسنها ، وهي كناية عن فرج القميص ، أي لم يعلق ثوبها ريبة ، فهي طاهرة الأثواب ، وفروج القميص أربعة : الكمّان ، والأعلى والأسفل ، وليس
هامش
( 1 ) أبو السعود العمادي ، محمد بن محمد ، إرشاد العقل السليم : 4 / 266 . ولم يلزّا : لم يلتصقا ، والقرن : الحبل يجمع به البعيران . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 187 . ( 3 ) الزركشي ، محمد بن عبد اللّه ، البرهان : 2 / 33 ، وانظر السيوطي : جلال الدين الإتقان : 2 / 102 . ( 4 ) سورة الأنبياء ، الآية : 91 . ( 5 ) سورة المؤمنون ، الآية : 5 .