تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
أنّهم في خداعهم هذا غفلوا عن رقابة اللّه لهم واطّلاعه على خباياهم » « 1 » . وهكذا نجد أن الصلة واضحة بين المعيار اللغوي ، وبين الدّلالة الجمالية ، ومما يزيدنا إعجابا بمثل هذه النظرات أنّها وردت في كتاب يتحدّث عن علوم القرآن كلها ، وجميع وجوه إعجازه ، فهذا مما يبعث على التقدير ، فالنظرات هنا تدلّ على عمق أدبي . وهنالك صيغ تقوم برسم المشاهد بأدقّ طريقة فنية ، وقد نظر الدكتور عتر إلى قوله تعالى :
فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى
« 2 » ، وقال : « عبّرت الآية باسم الفاعل « فالق » ، واسم الفاعل ينطبق على الفاعل حال تلبّسه بالفعل ، وبذلك قوّى القرآن الصّورة ، وأدناها منّا ، ونبّه الإحساس لصورة الفلق ، وهي صورة موحية مؤدّية جعلت نظرنا يثقب الأرض إلى جوفها يشهد أعجوبة فلق النّواة والحبّة عن حياة جديدة » « 3 » . ولدى العودة إلى بني إسرائيل في القرآن نقرأ قوله عزّ وجلّ على لسان فرعون ، وهو في قمة غطرسته بعد اتباع السحرة لموسى عليه السلام :
فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ، وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ، وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى
« 4 » . فالغضب يتجلّى في الفعل مشدّد العين « أقطّعنّ » و « أصلّبنّكم » ، كما تضيف نون التوكيد معنى الشّدة ، وثمّة نبرة قوية في الوقوف على الميم الساكنة ثلاث مرات ، وفي الوقوف على الباء الساكنة في الكلمة الأخيرة « أبقى » ، وكلّ هذا يساعد على تجسيم الغضب ، وشدّة الوعيد . وتظهر أهمية صيغة المبالغة من اسم الفاعل في قوله عزّ وجلّ عن اليهود :
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ
« 5 » ، مما يدلّ على قوة فعل التنفيذ .
هامش
( 1 ) عتر د . نور الدين ، القرآن والدراسات الأدبية : 278 . ( 2 ) سورة الأنعام ، الآية : 95 . ( 3 ) عتر د . نور الدين ، القرآن والدراسات الأدبية : 325 . ( 4 ) سورة طه ، الآية : 71 . ( 5 ) سورة المائدة ، الآية : 42 .