تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
لا نجد هذا مطّردا في القرآن ، فقد ذكر فيه الكسب في مضمار الشر مثل قوله تعالى :
مَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ
« 1 » ، فنحن معه في أنّ الخير طبع ، والشّرّ تكلّف واعتمال . ونلتمس له العذر هنا ، لأنه يريد تبيين الموازنة بين حالتي الخير والشّر في آية واحدة ، فنبّه إلى عدم التّكرار ، وهذا ما أوضحه بعده ابن الإصبع قائلا : « وإنّما منع ذلك ما يحصل للنّظم من العيب وإغماض المعنى الذي قصد ، أما العيب فاستثقال « كسبت » بغير زيادة في نظم قربت فيه الثانية من الأولى فسمج ، وأما الإغماض ، فلأن المراد الإشارة إلى أن الفطرة التي فطر اللّه سبحانه وتعالى الناس فطرة الخير ، فالإنسان بتلك الفطرة السابغة في أصل الخلق لا يحسن أن ينسب إليه إلا كسب الحسنات ، وما يعمله من السيئات يعمله لمخالفته الفطرة ، فكأنه تكلّف من ذلك ما ليس في جبلّته ، فوجبت زيادة التاء التي للافتعال » « 2 » .

- ما بعد الزمخشري :

نستطيع أن نقول إن الزمخشري قد امتاز بإضاءة إيحاء الصيغة ، وشرح دلائلها النفسية ، أما من تلاه من الدارسين فقد تحدّثوا عن معنى الزيادة في بناء الكلمة حسب ما قرّر رجال اللغة ، مثل ابن جني ، فهؤلاء رأوا أن « غفّارا » أبلغ من غافر ، و « قيّوما » أبلغ من قائم ، وغير هذا ، إضافة إلى نقلهم ما ورد في الكشاف ، وهم لا يتجاوزون التقرير اللغوي ، بحيث كان الحديث عن جانب تأثير بناء الكلمة مجملا على الأغلب . ولا بأس أن نعرض لنبذة من وقفاتهم التي وردت تحت عنوان « الزيادة في بنية الكلمة » كما نجد هذا عند يحيى العلوي صاحب الطّراز الذي يقول « قوّة اللفظ لأجل المعنى إنما تكون بنقل اللفظ من صيغة إلى صيغة أكثر منها حروفا . . وذلك يكون في الأسماء والأفعال ، في الأسماء كقوله تعالى :
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية : 111 . ( 2 ) ابن أبي الإصبع ، بديع القرآن ، ص / 305 ، وانظر العلوي ، يحيى بن حمزة ، الطّراز : 2 / 164 .