تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
في بيان جوانب بلاغة القرآن من حيث الصورة الفنية ، ومناسبة الكلمات للمقام ، وإن كان الجمال الصوتي غير بعيد عن ذوقهم ، إذ عبّروا عنه بالفصاحة والعذوبة والخفّة وغير هذا . ولا يحتكم الرافعي إلى العاطفة الدينية أو مجرّد الذوق ، إنّما جمال الحركات عنده يظلّ موضوعيا لا علاقة له بتفاوت الذوق الذاتي لدى المتلقّين ، فالسّبب كائن في نظم القرآن نفسه ، ويتجلّى أمام كلّ نظر دقيق ، يقول عن تلاؤم الصوت والحركة : « حتى إنّ الحركة ربّما كانت ثقيلة في نفسها لسبب من أسباب الثّقل أيها كان ، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأنا عجيبا . . . من ذلك لفظة « النّذر » جمع نذير ، فإنّ الضمة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذّال معا ، فضلا عن جسأة هذا الحرف ونبوّه في اللّسان ، وخاصة إذا جاء فاصلة للكلام ، فكلّ ذلك مما يكشف عنه ، ويفصح عن موضع الثقل فيه ، ولكنه جاء في القرآن على العكس ، وانتفى من طبيعته في قوله تعالى :
وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ
« 1 » ، فتأمّل هذا التركيب ، وأنعم ثم أنعم على تأمله ، وتذوّق مواقع الحروف ، وأجر حركاتها في حسّ السمع ، وتأمل مواضع القلقلة في دال « لقد » وفي الطّاء من « بطشتنا » ، وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطّاء إلى واو « تماروا » مع الفصل بالمدّ ، كأنّها تثقيل لخفّة التّتابع في الفتحات إذا هي جرت على اللسان ، ليكون ثقل الضّمة مستخفا بعد ، ولكون هذه الضمة قد أصابت موضعها ، كما تكون الحموض في الأطعمة ، ثم ردّد نظرك في الراء من « تماروا » فإنّها ما جاءت إلا مساندة الراء « النّذر » ، حتى إذا انتهى اللسان إلى هذه انتهى إليها من مثلها ، فلا تجفّ عليه ، ولا تغلظ ، ولا تنبو فيه ، ثم أعجب لهذه الغنّة التي سبقت الطاء في نون « أنذرهم » وفي ميمها ، وللغنّة الأخرى التي سبقت الذّال في « النّذر » « 2 » فالأمر كما نرى يخرج من المفردة ذاتها ، ليكون توازنا وتكاملا مع طبيعة الحركات في المفردات السابقة لها ، وقد أعجب الباحثون بتحليله ، ونقلوه كما نقلناه على طوله من غير أن يضيفوا على اقتباسهم إلا
هامش
( 1 ) سورة القمر ، الآية : 36 ، تماروا : تجادلوا وكذّبوا . ( 2 ) الرافعي ، مصطفى صادق ، إعجاز القرآن ، ص / 227 - 228 .