تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
مفردات القرآن قد أتى عبثا أو مصادفة ، إنّما هناك قصد التهذيب الصوتي ، كما وجه التهذيب المعنوي . ولشدة عناية القرآن بالتنغيم نجد أن أغلب فواصله كانت بالميم والنون ، والمدّ بالألف أو الياء أو الواو يسبق معظم رويّ فواصله .

- جمالية الحركات :

امتاز ابن الأثير بنظرة فاحصة جعلته يقلّب النظر في جزئيات الكلمة القرآنية ، فراح يتحدّث عن جمال الأصوات من خلال مصطلح الخفّة أو العذوبة ، لكنّه أضاف شيئا آخر ، وهو أن الجمال الصوتي يتعلّق بالصوت ، وكذلك بالصّويت ، فذكر أن كثرة الحركات الخفيفة تطيب للسمع ، وتلذّ في النّطق ، وتلك مسألة صوتية دقيقة دلّ بها على ذوقه الرفيع ، ورهافة حسّه . يقول : « ومن أوصاف الكلمة أن تكون مبنيّة من حركات خفيفة ، ليخفّ النطق بها ، وهذا الوصف يترتب على ما قبله من تأليف الكلمة ، لهذا إذا توالى حركتان خفيفتان في كلمة واحدة لم تستثقل ، وبخلاف ذلك الحركات الثقيلة . . . واعلم أنّه قد توالت حركة الضّم في بعض الألفاظ ، ولم يحدث فيها كراهة ولا ثقلا » « 1 » . ويستشهد ابن الأثير لهذا الاستثناء بكلمات قرآنية توالت فيها حركات الضم ، كقوله عزّ وجلّ :
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ
« 2 » ، وقوله :
وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ
« 3 » ، وهو يريد أن يقول : إن الكسرة والفتحة حركتان خفيفتان ، بخلاف الضّمة فهي ثقيلة ، وتلك القضية الصوتية تشهد بها عملية نطق الضمة التي يكون فيها انكماش الشّفاه . وقد عاد إلى سورة القمر ونهل منها شواهده ، ولكن المرء يؤكّد فكرة عظيمة تتصل بالعقيدة بمجرّد وجود آية تثبت صحّة كلامه ، وهنا يعدّ القرآن
هامش
( 1 ) ابن الأثير ، المثل السائر : 1 / 191 . ( 2 ) سورة القمر ، الآية : 47 . ( 3 ) سورة القمر ، الآية : 52 ، الزّبر : كتب الحفظة .
جماليات المفردة القرآنية — صفحة 207 | احمد ياسوف